فسطاط

از PTEWiki

پرش به: ناوبری, جستجو

قال ابن خردادبه:

الطريق من الفسطاط الى المغرب:

من الفسطاط الى ذات الساح؟ اربعه وعشرون ميلا، ثم الى ترنوط ثلثون ميلا، ثم الى كوم شريك اثنان وعشرون ميلا، ثم الى الرافقه اربعه وعشرون ميلا مع النيل، ثم الى قرطسا ثلثون ميلا، ثم الى كريون اربعه وعشرون ميلا، ثم الى الاسكندريّه اربعه وعشرون ميلا، ثم الى بومينه عشرون ميلا، ثم الى ذات الحمام ثمانيه عشر ميلا، ثم الى حنيّه الرّوم اربعه وثلثون ميلا، ثم الى الطاحونه ثلثون ميلا، ثم الى كنائس الحديد اربعه وعشرون ميلا، ثم الى جبّ العوسج لا ماء فيها الّا ماء السماء ثلثون ميلا، ثم الى سكّه الحمّام ثلثون ميلا، ثم الى قصر الشّمّاس خمسه وعشرون ميلا، ثم الى خربه القوم خمسه عشر ميلا، ثم الى خرائب ابى حليمه خمسه وثلثون ميلا، ثم الى العقبه عشرون ميلا، ثم الى مرج الشّيخ عشرون ميلا، ثم الى حىّ عبدالله ثلثون ميلا، ثم الى جياد الصغير ثلثون ميلا، ثم الى جبّ الميدعان خمسه وثلثون ميلا، ثم الى وادى مخيل خمسه وثلثون ميلا، ثم الى جبّ حليمان خمسه وثلثون ميلا، ثم الى المغار خمسه وثلثون ميلا، ثم الى تاكنيست خمسه وعشرون ميلا، ثم الى النّدامه خمسه وعشرون ميلا، ثم الى برقه ستّه اميل وهى مدينه فى صحراء حمراء كانها بسره حسنه وحولها جبال بين الجبال والمدينه ستّه اميال قال الشاعر السّفح من برقه أوطأته حيث يحلّ الضّبع والذّيب[۱]


قال قدامه بن جعفر:

فسطاط[فاتن][فاتون][فستاط] الی ذات الحمام:

فأما الطريق من الفسطاط الى برقة و أفريقية والغرب أجمع، فمن الفسطاط الى ذات الساحل أربعة وعشرون ميلا، ومن ذات الساحل الى ترنوط ثلاثون ميلا. ثم يعدل الطريق الى الاسكندرية من ترنوط هذه فمن ترنوط الى كوم شريك اثنان وعشرون ميلا، ومن كوم شريك الى الرافقة والسير مع النيل ويعدل مع الرافقة الى خليج الاسكندرية أربعة وعشرون ميلا، ومن الرافقة الى قرطسا ثلاثون ميلا، ومن قرطسا الى كريون أربعة وعشرون ميلا، ومن كريون الى الاسكندرية أربعة وعشرون ميلا ومن الاسكندرية الى أبو أمينة عشرون ميلا ومن أبو أمينة الى ذات الحمام ثمانية عشر ميلا.

امّا راه فسطاط تا برقه و افريقيّه و غرب.

همه اين راهها از فسطاط شروع مى‏شود تا ذات السلاسل ، بيست و چهار ميل. از ذات السلاسل تا ترنوط سى ميل. سپس راه از ترنوط به سمت راست تا اسكندريه مى‏رود. اين راه از ترنوط تا كوم شريك بيست و دو ميل. از كوم شريك تا رافقه راه با رود نيل همراه است و از رافقه راه به سمت راست به سوى خليج اسكندريه مى‏رود، بيست و چهار ميل. از رافقه تا قرطسا سى ميل. از قرطسا تا كريون بيست و چهار ميل. از كريون تا اسكندريه بيست و چهار ميل. از اسكندريه تا ابومينه بيست ميل. از ابومينه تا ذات الحمام هيجده ميل راه است.

قال قدامه بن جعفر ایضاً:

قالوا: وكان مسير عمرو الى مصر في سنة تسع عشرة فنزل العريش ثم أتى الفرماء وبها قوم مستعدون للقتال فحاربهم فهزمهم وحوى عسكرهم ومضى قدما الى الفسطاط فنزل جنان الريحان وقد خندق أهل الفسطاط عليهم وكان اسم مدينة الفسطاط (اليونة) ، فسماها المسلمون الفسطاط لانهم قالوا هذا فسطاط القوم ومجمعهم، وقيل: ان عمرو بن العاص ضرب بها فسطاطا فسميت بذلك، وكان عمرو بن العاص قد دخل الى مصر في ثلاثة آلاف وخمسمائة فلم يلبث ان ورد عليه الزبير بن العوام في عشرة آلاف، ويقال: اثنتي عشر ألفا متطوعا محتسبا، قالوا:

فكان عمرو يقاتل من وجه والزبير في آخر، ثم ان الزبير أتى بسلم فصعد عليه حتى صار في أعلى الحصن وهو مجرد سيفه فكبر وكبر المسلمون معه وأتبعوه ففتح الحصن عنوة، واستباح المسلمون ما فيه وأقر عمرو أهله على أنهم ذمة، ووضع عليهم الجزية في رقابهم، والخراج في أرضهم، وكتب بذلك الى عمر فأجازه.

قال قدامه بن جعفر ایضاً:

طريق الفسطاط الى الاسكندرية ثلاث عشرة سكة،

راه فسطاط تا اسكندريه، سيزده چاپار.[۲]


قال المسعودی:

فبنى عمرو بن العاص الفسطاط وهي قصبة مصر في هذا الوقت، وكان ملك مصر- وهو المقوقس صاحب القبط- ينزل الإسكندرية في بعض فصول السنة، وفي بعضها ينزل مدينة منف، وفي بعضها قصر الشمع، وهو اليوم يعرف بهذا الاسم في وسط مدينة الفسطاط.

ولعمرو بن العاص في فتح مصر أخبار، وما كان بينه وبين المقوقس وفتحه لقصر الشمع، وغير ذلك من أخبار مصر والإسكندرية،وما كان من حروب المسلمين في ذلك، ودخول عمرو بن العاص الى مصر والإسكندرية في الجاهلية، وما كان من خبره مع الراهب والكُرَة الذهب التي كانوا يظهرونها للناس في أعيادهم، ووقوعها في حِجر عمرو بن العاص، وذلك قبل ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، قد أتينا على جميع ذلك في كتابنا «أخبار الزمان» والكتاب الأوسط.[۳]


قال ابن فقیه:

و مدينة فسطاط: هي مدينة مصر سمّيت بذلك لأن عمرو بن العاص ضرب فسطاطه بذلك المكان بباب أليون، و سويقة وردان بمصر، و بمصر حائط العجوز على شاطئ النيل، بنته عجوز كانت في أوّل الدهر ذات مال، و كان لها ابن و كان واحدها فقتله السبع فقالت: لأمنعنّ السباع أن ترد النيل، فبنت ذلك الحائط حتى لا تصل السباع إلى النيل، و يقال: إن ذلك الحائط كان طلسما و كان فيه تماثيل، كلّ إقليم على هيئتهم و زيّهم، و الدوابّ و السلاح، و كلّ أمّة مصوّرة في طرقها التي تجي‏ء منها، فإذا أراد أهل إقليم غزو مصر و انتهوا إلى تلك الصور انصرفوا، و يقال: بني ذلك ليكون حاجزا بين أهل الصعيد و النوبة، لأنهم كانوا يغيرون على أهل الصعيد و لا يستعرفون، فبني ذلك من أهل النوبة. و قيل أمر بعض الملوك أفلاطون فبني بناحية مصر ممّا يلي البرّ حائطا طوله ثلاثون فرسخا ما بين الفرما إلى أسوان حاجزا بينهم و بين الحبشة. و بالفسطاط صورة امرأة من حجر عظيمة قاعدة، على رأسها إجّانة و على كلّ واحدة من ركبتيها درجة إلى غرفة، تسمّى أمّ يزيد الخولانيّة.[۴]


قال ابن حوقل:

[الطرق فسطاط]:

وللفسطاط طريق على الظهر فى البرّ الى الإسكندريّه من جانب الصحراء وقد ذكرته فى صفه المغرب ومراحله على ذات الساحل الى ترنوط، ولها طريق آخر إذا نضب الماء يأخذ بين المدائن والضياع وينزل فى كرائم المدن وذلك إذا أخذت من شطنوف الى سبك العبيد فهو منزل فيه منبر لطيف وبينهما اثنا عشر سقسا ومن سبك العبيد الى مدينه منوف وهى كبيره فيها حمّامات وأسواق وبها قوم تنّاء وفيهم يسار ووجوه من الناس منهم جابر المنوفىّ لا رضى الله عنه ولها إقليم عظيم وعمل يليه عامل جسيم وبينهما ستّه عشر سقسا، ومن منوف الى محلّه صرد منبر فيه [حمّام] وفنادق وسوق صالح ستّه عشر سقسا، ومن محلّه صرد الى صخا مدينه كبيره ذات حمّامات وأسواق وعمل واسع وإقليم جليل له عامل بعسكر وجند وكثره أصحاب وله غلّات وبه الكتّان الكثير و زيت الفجل الى قموح عظيمه ستّه عشر سقسا، ومن صخا الى شبرلمنه مدينه كبيره بها جامع وأسواق صالحه ستّه عشر سقسا، ومن شبر لمنه الى مسير مدينه لها جامع وأسواق كثيره القمح وفنون الغلّات وبها عامل عليها للماء وقسمته ستّه عشر سقسا، ومن مسير الى سنهور مدينه ذات إقليم كبير ولها حمّامات وأسواق وعامل كبير فى نفسه وكانت بها من النعم للكتّاب والدهاقين فى ضروب الكتّان والقموح وقصب السكّر وغير ذلك ما بلغنى أنّه قد تناقصت وقتنا هذا حالها فيما ذكرته وأذكره من سائر مدنها ستّه عشر سقسا، ومن سنهور الى البجوم إقليم مدينته باسمه عظيمه بها عامل عليها وعسكر [وجامع] وحمّامات وفنادق وأسواق واسعه ستّه عشر سقسا، ومن البجوم الى نستراوه مدينه كانت حسنه وهى على بحيره البشمور ويحيط بها المياه كثيره الصيود من السموك وعليها قباله كبيره للسلطان وكان بها قوم مياسير ويوصل اليها بالمعدّيات إذا زاد الماء وإذا نضب وصل اليها بالجسور عشرون سقسا، ومن نستراوه الى البرلّس مدينه كثيره الصيد أيضا من هذه البحيره وبها حمّامات وهى مدينه جميله الأمر عشر سقسات، ومن البرلّس الى اجنا حصن على شطّ البحر المالح فيه منبر وخلق كثير وأسواق ورجال وصيّادون للصير به حمّام عشر سقسات، ومن اجنا الى رشيد مدينه على النيل قريبه من مصبّ فوّهته الى البحر ويعرف هذه الفوّهه وهى المدخل من البحر بالاشتوم ثلاثون سقسا وكانت بها أسواق صالحه وحمّام ولها نخيل كثيره وارتفاع واسع وضريبه على ما يحمل من الإسكندريّه ويحمل اليها من متاع البحر الى سائر أسباب التجاره، وهذا الطريق الآخذ من شطنوف الى رشيد ربّما امتنع سلوكه عند زياده النيل لغلبه الماء وكثرته على وجه الأرض فربّما أخذ بعض الطريق على الظهر وبعضه فى المراكب والماء وربّما سلك من جهه البرّ على ما قدّمت ذكره ووصفه فيما ابتدأت به فى صفه طريق المغرب من الفسطاط،

قال ابن حوقل ایضاً:

ومن صفات مدنها وبقاعها أنّ مدينتها العظمى تسمّى الفسطاط وهى على شمال النيل لأنّه يجرى فى نحوها بين المشرق والجنوب وهى مدينه حسنه ينقسم لديها النيل قسمين فيعدى من الفسطاط الى عدوه أولى فيها أبنيه حسنه ومساكن جليله تعرف بالجزيره ويعبر اليها بجسر فيه نحو ثلثين سفينه ويعبر من هذه الجزيره على جسر آخر الى القسم الثانى كالجسر الأوّل الى أبنيه جليله ومساكن على الشطّ الثالث تعرف بالجيزه، والفسطاط مدينه كبيره نحو ثلث بغداذ ومقدارها نحو فرسخ على غايه العماره والخصب والطيبه واللذّه ذات رحاب فى محالّها وأسواق عظام ومتاجر فخام وممالك جسام الى ظاهر أنيق وهواء رقيق وبساتين نضره ومتنزّهات على مرّ الأيّام خضره، وبالفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب اليها محالّهم كالكوفه و البصره إلّا أنّها أقلّ من ذلك فى وقتنا هذا وقد باد أكثرها بظاهر المعافر وهى سبخه الأرض غير نقيّه التربه، والدار تكون بها طبقات سبعا وستّا وخمس طبقات وربّما سكن فى الدار المأئتان من الناس، وبالفسطاط دار تعرف بدار عبد العزيز بن مروان وكان يسكنها ويصبّ فيها لمن فيها فى كلّ يوم عهدنا هذا أربع مائه راويه ماء وفيها خمسه مساجد وحمّامان وغير فرن لخبز عجين أهلها، ومعظم بنيانهم بالطوب وأكثر سفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان لصلاه الجمعه بنى أحدهما عمرو بن العاص فى وسط الأسواق والآخر بأعلى الموقف بناه أبو العبّاس أحمد بن طولون، وكان خارج مصر أبنيه بناها أحمد بن طولون مساحتها ميل فى مثله يسكنها جنده تعرف بالقطائع كبناء بنى الأغلب خارج القيروان لرقّاده وقد خربا جميعا فى وقتنا هذا ورقّاده أشدّ تماسكا وصلاحا، وقد استحدثت المغاربه بظاهر مصر مدينه سمّتها القاهره استحدثها جوهر صاحب أهل المغرب عند دخوله الى مصر لجيشه وشمله وحاشيته وقد ضمّت من المحالّ والأسواق وحوت من أسباب القنيه والارتفاق بالحمّامات والفنادق الى قصور مشيده ونعم عتيده وقد أحدق بها سور منيع رفيع يزيد على ثلثه أضعاف ما بنى بها وهى خاليه كأنّها تركت محالّا للسائمه عند حصول خوف، وبها ديوان مصر ومسجد جامع حسن نظيف غزير القوّام والمؤذّنين وقد ابتنت بعض نساء أهل المغرب جامعا آخر بالقرافه موضع بظاهر مصر كان مساكن لقبائل اليمن ومن اختطّ بها هناك قديما عند فتحها وهو من الجوامع الفسيحه الفضاء الرائعه البناء أنيق السقوف يهىّ المنظر، و بالجزيره و الجيزه أيضا جامعان آخران دون جامع القرافه فى نبله وحسنه،

قال ابن حوقل ایضاً:

ومن حدّ الفسطاط فى غربىّ النيل أبنيه عظام يكثر عددها مفترشه فى سائر الصعيد يدعى الأهرام، وليست كالهرمين اللذين تجاه الفسطاط وعلى فرسخين منها ارتفاع كلّ واحد منهما أربع مائه ذراع وعرضه كارتفاعه مبنىّ بحجاره الكذّان التى سمك الحجر وطوله وعرضه من العشر الأذرع الى الثمان حسب ما دعت الحاجه الى وضعه فى زيادته ونقصه وأوجبته الهندسه عندهم لأنّهما كلّما ارتفعا فى البناء ضاقا حتّى يصير أعلاهما من كلّ واحد مثل مبرك جمل وقد ملئت حيطانهما بالكتابه اليونانيّه، وفى داخل كلّ واحد منهما طريق كان يسير فيه الناس رجّاله الى أعلاه وفى ذين الهرمين مخترق فى باطن الأرض واضح من أحدهما الى الآخر وقد ذكر قوم أنّهما قبران وليسا كذلك وإنّما حدا صاحبهما أن عملهما أنّه قضى بالطوفان وهلاك جميع ما على وجه الأرض إلّا ما حصّن فى مثلهما فخزن ذخائره وأمواله فيهما وأتى الطوفان ثمّ نضب فصار ما كان فيهما الى بيصر بن نوح وقد خزن فيهما بعض الملوك المتأخّرين أهراءه.


قال ابن حوقل ایضاً:

وبالفسطاط قريه تعرف بعين شمس عن شمال الفسطاط ومنف فى جنوبىّ الفسطاط واحده تجاه الأخرى ويقال كانا مسكنين لفرعون وبها آثار عجيبه يتنزّه فيهما وعلى رأس جبل المقطّم فى قلّته مكان يعرف بتنّور فرعون يسع خمس مائه كرّ حنطه وهذا من نوع الخرافه ويقال أنّ فرعون كان إذا خرج من أحد المتنزّهين أصعد فى المكان الآخر من يعادله ليعاين شخصه بالوهم ولا تفقد هيئته، وفى نيل مصر مواضع لايضرّ فيها التمساح كعدوه بوصير والفسطاط، ولعين شمس الى ناحيه الفسطاط نبت يزرع كالقضبان يسمّى البلسم يتّخذ منه دهن البلسان لا يعرف بمكان من الأرض إلّا هناك ويؤكل لحاء هذه القضبان فيكون له طعم صالح وفيه حراره وحروفه لذيذه، وشبروا ضيعه فى وقتنا هذا جليله فى محلّ مدينه يعمل فيها شراب العسل عند زياده النيل فلا يخالط العسل والماء ثالث من خلط وهذا الشراب مشهور فى جميع الأرض لذّته ومحلّ نشوته وخمر رائحته، والى جانبها قريه تعرف بدمنهور ويعمل بها بعض ما يعمل بشبروا وجميع مالها للسلطان، و فاقوس و جرجير مدينتان من أرض الحوف و الحوف ما كان من النيل أسفل الفسطاط وما كان من النيل جنوبيّه يعرف بالريف، ومعظم رساتيق مصر وقراها فى الحوف و الريف، وأهلها نصارى قبط ولهم البيع الكثيره الغزيره الواسعه وقد خرب منها الكثير العظيم وفيهم قلّه شرّ إلّا مع عمّالهم والمتقبّلين لنواحيهم وكان فيهم أهل يسار وذخائر وأموال واسعه وصدقات ومعروف وأدركت من اليسار فيهم والمعروف منهم على المسلمين ما يطول شرحه ولم يك بشىء من البلدان ما يقاربه أو يدانيه، ومن أولاد القبط غيلان أبو مروان رئيس الغيلانيّه فرقه من الشيعه وآسيه بنت مزاحم وماريه أمّ إبراهيم ابن نبيّنا عليه السلام وهاجر أمّ إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلم، وربّما ولدت المرأه [القبطيّه الولدين والثلاثه والأربعه فى بطن واحد بحمل واحد وليس ذلك] بمكان ولا فى شىء من البلدان ولا ذلك بالخصوص بل ربّما جرى فى السنه دفعات وذلك أنّ ماءهم على قولهم أنيث يريدون ماء النيل وفيه خاصّيّه لذلك على قولهم، وممّا يقارب ذلك وليس بالمنتشر العلم ولا فى جميع الأقطار أنّ غنم تركستان تلد الشاه فى السنه ستّه وسبعه رؤوس من الحملان والمعز كما تلد الكلبه وأكثر أهل تركستان وبلاد خوارزم يذبحون ما زاد على الاثنين من أولاد الغنم وينتفعون بجلودها وذلك أنّ جلودها حمر قانئه الصبغ يباع الجلد منها من ربع دينار الى دينارين وأكثر وأقلّ حسب صبغته ويكون فيها أيضا جلود سود فيبلغ الجلد لنقائه وحلوكته وحسنه الدنانير الكثيره وربّما كان فيما ابيضّ من جلودها ما يعمل منه أغشيه للسروج فى غايه البياض وله أيضا ثمن صالح ومنها مقاربه يباع عشره جلود بدرهم، وسألت عن علّه ذلك أبا إسحاق إبراهيم بن البتكين الحاجب فقال إنّ أغنامهم ترعى نهارا وتنفش ليلا فقواها زياده وما ترعاه صحيح ملائم لها وهذا كما يذكره الخراسانيّون أنّ هواءهم يغذو حيوانهم ويزيد فى صحّتهم وينقى أبشارهم ويدفع عنهم الأمراض والأعلال صحّه مياههم وهذا ما لا يحتاجون معه الى دليل غير المشاهده فإنّها تعرب عن صدقهم ويشهد لهم العيان بذلك، [۵]


حدود العالم نوشته است:

فسطاط

فُسطاط- قصبة مصر است، تونگرترين شهري است اندر جهان و به غايت آبادان و بسيار نعمت است، و بر مشرق رود نيل نهاده است. و تربت شافعي رحمة‌الله عليه اندر حدود وي است.[۶]


قال المقدسی:

وللفسطاط الجزيره الجيزه القاهره العزيزيّه عين شمس بهنى المحلّه سندفا دمنهور حلوان القلزم

جزيره، جيزه، قاهره عزيزيه، عين شمس، بهنى ، محلّه سندفا، دمنهور ، حلوان ، القلزم را دارد.

قال المقدسی ایضاً:

هو مصر في كلّ قول لانه قد جمع الدواوين، وحوى أمير المؤمنين،، وفصل بين المغرب وديار العرب واتّسع بقعته وكثر ناسه وتنضّر إقليمه واشتهر اسمه وجلّ قدره فهو مصر مصر وناسخ بغداد ومفخر الإسلام، ومتجر الأنام، واجلّ من مدينه السلام،، خزانه المغرب ومطرح المشرق وعامر الموسم ليس في الأمصار أهل منه كثير الاجلّه والمشايخ عجيب المتاجر والخصائص حسن الأسواق والمعايش الى حمّاماته المنتهى، ولقياسيره لباقه وبها، ليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه، ولا أحسن تجمّلا من اهله، ولا أكثر مراكب من ساحله،، أهل من نيسابور واجلّ من البصره وأكبر من دمشق به اطعمه لطيفه، وادامات نظيفه،، وحلاوات رخيصه كثير الموز والرطب، غزير البقول والحطب، خفيف الما، صحيح الهوا،، معدن العلماء، طيّب الشتا،، أهل سلامه وعافيه، ومعروف كثير وصدقه،، نغمتهم بالقرآن حسنه، ورغبتهم في الخير بيّنه،، وحسن عبادتهم في الآفاق معروفه قد استراحوا من أذى الامطار، وأمنوا من غاغه الأشرار،، ينتقدون الخطيب والامام ولا يقدّمون الّا طيّبا وان بذلوا الأموال قاضيهم ابدا خطير، والمحتسب كالأمير، ولا ينفكّون ابدا من نظر السلطان والوزير،، ولولا عيوب له كثير، ما كان له في العالم من نظير،، وهو نحو ثلثي فرسخ طبقات بعضها فوق بعض وكانت جانبين الفسطاط و الجيزه ثم شقّ بعض الخلفاء من ولد العبّاس خليجا على قطعه منها فسمّيت تلك القطعه الجزيره لأنها بين العمود والخليج وسمّى خليج أمير المؤمنين منه شربهم ودورهم اربع طبقات وخمس كالمناير يدخل اليهم الضياء من الوسط وسمعت انه يسكن الدار الواحده نحو مائتي نفس وانه لمّا صار اليها الحسن بن احمد القرمطيّ خرج الناس اليه فرآهم مثل الجراد فهاله ذلك وقال ما هذا قيل هؤلاء نظّاره مصر ومن ما يخرج أكثر، وكنت يوما أمشي على الساحل وأتعجّب من كثره المراكب الراسيه والسائره فقال لي رجل منهم من اين أنت قلت من بيت المقدس قال بلد كبير أعلمك يا سيّدي أعزّك الله ان على هذا الساحل وما قد اقلع منه الى البلدان والقرى من المراكب ما لو ذهبت الى بلدك لحملت أهلها وآلاتها وحجارتها وخشبها حتّى يقال كان هاهنا مدينه، وسمعتهم يذكرون انه يصلّى قدّام الامام يوم الجمعه نحو عشره آلاف رجل فلم اصدّق حتّى خرجت مع المتسرّعه الى سوق الطير فرأيت الأمر قريبا ممّا قالوا، وأبطأت يوما عن السعي الى الجمعه فألفيت الصفوف في الأسواق على أكثر من ألف ذراع من الجامع ورأيت القياسير والمساجد والدكاكين حوله مملوءه من كلّ جانب من المصلّين وهذا الجامع يسمّى السفلانىّ من عمل عمرو بن العاص وفيه منبره حسن البناء في حيطانه شيء من الفسيفس على اعمده رخام أكبر من جامع دمشق والازدحام فيه أكثر من الجوامع الستّ قد التفّت عليه الأسواق الّا ان بينها وبينه من نحو القبله دار الشطّ وخزائن وميضاه وهو اعمر موضع بمصر وزقاق القناديل عن يساره وما يدريك ما زقاق القناديل والجامع الفوقانىّ من بناء بنى طيلون أكبر وابهى من السفلانىّ على أساطين واسعه مصهرجه وسقوفه عاليه في وسطه قبّه على عمل قبّه زمزم فيها سقايه مشرق على فم الخليج وغيره وله زيادات وخلفه دار حسنه ومنارته من حجر صغيره درجها من خارج والحدّ بين أسفل وفوق مسجد عبد الله قد بنى على مساحه الكعبه ويطول الوصف بنعت اسواقه وجلالته غير انه اجلّ أمصار المسلمين وأكبر مفاخرهم وأهل بلدانهم ومع هذه الكثره اشتريت به الخبز الحوّارى ولا يخبرون غيره ثلاثين رطلا بدرهم والبيض ثمانيه بدانق والموز والرطب رخيص يجيء ابدا اليه ثمرات الشام و المغرب أو تيسر الرفاق اليه من العراق والمشرق ويقطع اليه مراكب الجزيره و الروم تجارته عجيبه ومعايشه مفيده وأمواله كثيره لا ترى احلى من مائه ولا اوطأ من اهله ولا

[شگفت انگيز و] در نظر همگان مركز شمرده مى شود زيرا كه ديوانها و دربار امير مؤمنان را در بر مى گيرد. مرز مغرب و سرزمين هاى عرب مى باشد. شهر گسترش يافته، مردمش افزايش گرفته، سرزمينش شكوفاست، نامش آوازه و اهميت يافته، مركز مصر و زداينده بغداد و افتخار اسلام و تجارتخانه ملتها و مهم تر از مدينه السلام است.

انبار مغرب و بارانداز مشرق، رونق بخش حج است. در ميان شهرها پر جمعيت تر از آن نيست. پر از پيران بزرگوار است. تجارتخانه هاى شگفت و بازارها با درآمدهاى نيكو دارد، گرمابه هايش برترين مى باشند.

قيصريه هايش برازنده و روشن اند: در اسلام مجلسهائى بزرگتر از جامع آن و مردمى زيبا پسندتر از مردم آن و بندرى پركشتى تر از بندر آن نباشد.

پر جمعيت تر از نيشابور بخارا ] مهم تر از بصره، بزرگتر از دمشق است. غذا و خورشهاى پاكيزه، شيرينى هاى ارزان، خرما و موز فراوان، سبزى و هيزم بسيار دارد، آبش سبك، هوايش خوب، زمستانش لذت بخش است. مركز دانشمندان و مردم سالم، با دهش، خوش آواز در قرآن، نيكخواه و خداپرست است كه شهرت جهانى دارند.

ايشان از مشكل باران آسوده و از شر غوغاء در امانند. از سخن ران و پيشنماز نيز خرده گيرى كنند، جز نيكوكار به پيشوائى نپذيرند هر چند بخششها كرده باشد. قاضى ايشان همواره گرانقدر و محتسب شان همچون يك فرماندار است. هيچگاه از ديدن سلطان و وزير باز نمى مانند. اگر عيب هاى بسيار شهر نبود، در جهان بى مانند بود. نزديك دو سوم فرسنگ ساختمانها چند اشكوبه بر روى هم در دو كرانه بنام فسطاط و جيزه نهاده شده بود، سپس يكى از خليفگان عباسى شاخه اى أز نهر را به گرد يكى از دو بخش بكند، پس اين بخش جزيره خوانده شد، زيرا در ميان رود سراسرى و رود دور زننده، قرار گرفته است. اين شاخه نهر خليج امير المؤمنين ناميده شده و از آن مى آشامند. خانه هايشان چهار و پنج [تا ده ] اشكوبه مانند منبر ساخته شده، روشنائى را از روبرو دريافت مى كنند. شنيده ام كه در هر خانه نزديك دويست تن زندگى مى كنند، هنگامى كه حسن بن احمد قرمطى بدانجا آمد مردم برايش بيرون آمدند، چون وى مردم را به فراوانى ملخ ديد ترسيده پرسيد چه خبر است؟ پاسخ شنيد كه:

اينان تماشاگرانند و مردمى كه نيامده اند بيشتر از اينانند. روزى من در كنار كرانه مى رفتم و از بسيارى كشتى هاى رونده و لنگر انداخته در شگفت مى بودم، يكى از مردم از من پرسيد از كجا هستى؟ گفتم: از بيت المقدس هستم، گفت: اى سرور من بتو بگويم: كشتى هائى كه در اين كرانه هستند با آنچه از آنها به بندرهاى ديگر رفته اند، آن اندازه اند كه هر گاه به شهر شما بروند مى توانند همه مردم آنرا با ابزارشان و ديگر وسائل، حتى چوب و آجر شهر را بار كنند و ببرند، بطورى كه گفته شود: در اينجا وقتى يك شهر بوده است. اين شنيدم كه مى گفتند: در هر آدينه نزديك به ده هزار تن با امام نماز مى گزارند! من كه باور نكرده بودم روزى زودتر از وقت به بازار طير رفته ديدم آمار نزديك به همانست كه مى گفته اند. آدينه ديگر ديرتر رفتم و ديدم صف نمازگزاران بازارها را تا فاصله هزار گز از جامع پر كرده اند، قيصريه ها، مسجدها، دكانها را از هر سو ديدم كه از نمازگزاران پر بود.

اين جامع را سفلانى پائين مى خوانند كه عمرو عاص آنرا ساخته و منبرى خوش بنا در آنجا هست و ديوارهايش كمى فسيفسا دارد، ستونهايش از رخام، بزرگتر از جامع دمشق است، انبوه مردم در آن بيش از شش جامع ديگر است [زيرا كه اين مهمترين جاى مصر است ] بازارها دورش را گرفته اند [مانند جامع هاى دمشق ]. ميان آن و بازارها از سمت جنوب دار الشط و انبارها و دستشوئى قرار دارد. آبادترين جاى مصر است و زقاق القناديل سمت چپ آنست، كه نمى دانى زقاق القناديل چيست! جامع فوقانى را بنى طيلون ساخته اند، بزرگتر و روشن تر از جامع سفلانى با ستونها از [آجر با] ساروج سفيد كارى شده است، در ميان آنها گنبدى همچون گنبد زمزم است. سقا خانه اى نيز در كنار نهر دارد. چند بيرونى و يك خانه زيبا در پشت آنست. يك مناره سنگى نيز كه پله هايش از برونست دارد [كه موقعيتى زيبا دارد]. در ميان دو جامع پائين و بالا، مسجد عبد الله است كه به اندازه كعبه ساخته شده است. توصيف كردن بازارهايش سخن را بدرازا مى كشاند.

[در جزيره يك جامع و در جيزه يكى ديگر هست. در بيرون شهر جائى هست كه گنبدهاى بسيار و سقاخانه ها دارد و قرافه ناميده مى شود.

جامعى دارد كه خانم ام المغربى آنرا ساخته است، در كنار جزيره نيز جائى بنام مختاره هست كه چند نزهتگاه از شاهان مصر و يك جامع در آنست، يكى نيز در قاهره هست كه با اين مى شود هفتا.

قاهره دور از شهر بوده ولى امروز ساختمانهايش به شهر پيوسته و شهر بزرگ تر از بغداد شده است ] فسطاط امروز بزرگترين شهرهاى اسلام و فخر آورترين و پر جمعيت ترين آنها است و با اين شلوغى باز هم من در آنجا نان سفيد را كه جز آن نمى پزند سى رطل به يك درم و تخم مرغ را هشت دانه به يك وانق [و به را هر هفتاد دانه به يك درم ] خريدم موز و خرما نيز ارزان است.

هميشه ميوه هاى شام و مغرب بدانجا مى آيد و منافع از عراق و مشرق بدانجا كشيده مى شود. كشتيها از چين و روم به آنجا مى آيند، بازرگانى شگفت انگيز و درآمد نيكو و دارائى بسيار دارد. از آبش شيرين تر و از مردمش سربزيرتر در جائى نيست. بهتر از بزازى آن و پر بركت تر از رودخانه آن نيست. ولى خانه هايش متعفن و پر پشه و كثيف و رنج آور است، ميوه اش اندك، آبش كدر، چاه ها چركين، خانه ها كثيف پر كنه، بد بو بيمارى گرى فراوان است، گوشت اندك، سگ فراوان سوگندها بزرگ، آداب و رسوم وحشتناك، هميشه در تهديد خشكسالى و كاهش رودخانه و انتظار بلا و خانه بدوشى هستند. نه پيران ايشان از باده گسارى مى پرهيزند و نه زنانشان از تردامنى، يك زن دو شوهر گيرد و پيرانشان مست شوند، و در مذهب دو دستگى دارند با شب نشينى و بددهنى هايش.[۷]


قال البکری:

[ذكر الفسطاط]

[ثم أمر عمرو رضه المسلمين ببناء دور يسكنونها بالفسطاط، و هي مدينة مصر اليوم‏]و إنما سميت مصر الفسطاط لأن عمرو بن العاص لمّا أراد التوجه الى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه بمام‏ قد فرّخ. فقال عمرو رضه: لقد تحرّم منا بمتحرم. فأمر بالفسطاط فأقرّ كما هو، و أوصى به‏ صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من [[اسکندریه| الاسكندرية بعد فتحها قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط، فسطاط عمرو الذي كان خلّفه. و كان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم ب دار الحصى‏ ، و هي عند دار عمرو الصغيرة. و بنى عمرو بن العاص رضه المسجد. قال الليث بن سعد: و كان [ما] حوله حدائق و أعنابا. و نصبوا الحبال حتى استقام لهم و وضعوا أيديهم، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة، هو و أصحاب (رسول اللّه صلعم) ، و اتخذ فيه منبرا. قال أبو تميم الجيشاني‏: و كتب عمر بن الخطاب رضه اليه: أما بعد، فإنه‏ بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى فيه على رقاب المسلمين. أو ما بحسبك‏ أن تقوم قائما و المسلمون تحتك؟ فعزمت عليك‏ لما كسرته. و كان أبو مسلم الغافقي صاحب رسول اللّه صلعم يؤذّن لعمرو و كان يخدم المسجد. و اختطّ المسلمون بمصر ، فاختطّ عمرو بن العاص داره التي هي اليوم عند باب المسجد بينهما الطريق، و داره الأخرى اللاصقة الى جانبها، و فيها دفن عبد اللّه ابنه. و اختط عبد اللّه ابنه الدار الكبيرة التي عند المسجد الجامع و بناها قصرا على تربيع الكعبة الأولى. و اختطّ حول دار عمرو و المسجد قريش و الأنصار و أسلم و غفار و جهينة. و اختط وردان مولى عمرو- و يكنى بأبي عبيد- القصر المنسوب الى عمر بن مروان اليوم، اشتراه عبد العزيز بن مروان فوهبه لأخيه. و اختطّ قيس بن سعد بن عبادة دار الفلفل في قبلة الجامع، و أوصى عند وفاته أنها للمسلمين ينزلها ولاتهم. و سميت دار الفلفل لأن أسامة بن زيد التنوخي‏ حين ولي مصر اختزن فيها فلفلا بعشرين ألف دينار كان الوليد بن عبدالملك أراد أن يهديه الى صاحب الروم . و اختطّ مسلمة بن مخلّد دار الرمل و كانت من رحى الكعك الى حمام‏ سوق وردان. ثمّ وهبها لمعاوية، و اختطّ له معاوية داره التي بسوق وردان. و كانت بجنبها دار لعقبة بن عامر، فوهبها لرملة بنت معاوية فيها سميت دار الرّمل، حرّفته العامة، و قيل إنما سميت دار الرمل لكثرة ما ينقل اليها من الرمل لدار الضرب‏. و اختطّ قيس بن أبي العاص السهمي داره التي عند دار ابن رمّانة، [و كانت دار ابن رمّانة] بينها و بين المسجد و دخل بعضها الى المسجد حين زاد عبد اللّه بن طاهر في عرضه. و كان عمرو ولّى قيسا الفضاء. و اختطّ عبادة بن الصامت الى جانب دار ابن رمّانة و أنت تريد الى سوق الحمام. (و اختطّ خارجة بن حذافة غربي المسجد الى اصحاب الحنّاء و أصحاب السويق). و اختط عبدالرحمان بن عديس الدار البيضاء و مروان بن الحكم بناها بناءها اليوم لما ولي مصر سنة ستين. و اختطّ ثقيف في ركن المسجد الشرقي الى السّرّاجين. و اختط أبو ذر و من معه من غفار من زقاق القناديل راجعا الى قصر ابن جبر الى سوق بربر. و اختطّ كعب بن يسار بن ضنّة- و هو ابن بنت خالد بن سنان العبسي التي قال لها (رسول اللّه) صلعم: ابنة نبي ضيّعه قومه- الدار المعروفة بدار النّخلة في طرف زقاق القناديل، و كان يقال لزقاق القناديل زقاق الأشراف لأن عمرو بن العاص كان في طرفه و في الطرف الآخر كعب بن يسار، و بينهما دار أبي ذرّ و زكريا بن الجهم و عبدالرحمان بن شرحبيل و غيرهم من الأشراف. و اختطّ كعب بن عدّي القيسارية، فلما أراد عمر بن عبدالعزيز بناءها اشتراها منهم و خطّ لهم دارهم التي في بني وائل. و الحمام الذي يعرف اليوم‏ بحمام أبي مرة كان خطة لرجل من تنوخ. فسأله إياه عبد العزيز بن مروان فوهبها له فبناه حماما لزبّان ابنه و بزبان‏ كان يعرف، و فيه يقول الشاعر يصف صنم رخام‏ كان فيه على خلقة المرأة [كامل‏]:

من كان في نفسه للبيض منزلة فليأت أبيض في حمّام زبّان‏
لا روح فيه و لا شفر يقلّبه‏ لكنه صنم في خلق إنسان‏

في أبيات و كسر هذا الصنم و كان عجبا من العجائب‏ حين أمر يزيد بن عبد الملك بكسر الأصنام سنة اثنتين و مائة. و اختطّ الزبير بن العوّام داره التي بسوق وردان و فيها السّلّم‏ الذي كان الزبير نصبه و صعد عليه‏ الى حصن‏ الروم، و كان عبد الملك بن مروان قد اصطفاها فردها أبو جعفر على هشام بن عروة، و كانت لهشام منه ناحية. و قال أبو جعفر: ما مثل أبي عبداللّه يؤخذ له شي‏ء يعني الزبير. و اختطّ أبو بصرة الغفاري عند دار الزبير. و اختطّ أسلم مما يلي دار أبي ذرّ و من خططها دار الصبّاح و الزقاق الذي فيه دار ابن بلادة، و لهم أيضا من قصر ابن جبر الى الحجامين الذين بسوق بربر. و اختط اللّيثيون عند أصحاب القراطيس و اختطّ خلفهم بسر بن أبي أرطأة. و اختطّ بنو معاد في زقاق عبدالملك بن مسلمة. و اختطّ عنزة في أصل‏ العقبة التي عند دار ابن الصامت. و اختطّ بلىّ [خلف‏] دار خارجة بن حذافة، ثم مضوا بخطتهم من دار عمرو بن يزيد الى دار سلمة والى دار واضح الى درب‏ الزجاج، ثم مضوا الى أصحاب الزيت، ثم مضوا يشرعون في قبلة سوق وردان حتى بلغوا مسجد القرون‏ ، ثم داخل الزقاق الى‏ مسجد عوف، و هو من خطّة بلىّ، و إنما كثرت بلىّ بمصر لأنّ رجلا نادى بالشام : يا آل قضاعة (فبلغ [ذلك‏] عمر بن الخطاب فكتب الى عامل الشام أن يصير ثلث قضاعة الى مصر ، فنظر فاذا بلى ثلث قضاعة) فسيروا الى مصر . و اختطّ بنو بحر و هم من الأزد مما يلي بلى، ثم شرعوا الى البحر. و اختطّ مهرة موضع دار الخيل و ما والاها على‏ سفح الجبل الذي يقال له جبل يشكر مما يلي الخندق الى شرقي العسكر الى جنان‏ بني مسكين اليوم، و هناك كان مسجد مهرة و أدخله طريف الخادم في دور الخيل‏ حين بناها. و اختطت لخم قبلي ثقيف و انحدروا الى مسجد عبداللّه، و اختطّت غافق بين مهرة و لخم، و مضوا بخطتهم حتى برزوا الى الصحراء مما يلي الموقف، و لغافق من درب السّراجين الى درب بني وردان. فما كان عن يمينك و أنت تريد المسجد الجامع في الطريق الى دور الوردانيّين من مسجد عبداللّه، فهو للخم‏ . و ما كان عن يسارك فلغافق‏ . و الموقف لابنة مسلمة بن مخلّد، فتصدقت به على المسلمين. و اذا سلكت زقاق أشهب فما كان عن يمينك و أنت تريد الموقف فهو لغافق، و ما كان عن يسارك فهو للأزد، ثم مضت الأزد حتى أخذت (ما شرع) في السويقة قبال‏ دار سعيد بن عفير و زقاق السّراجين‏ حتى انتهت الى دار حوى و دار عبدالرحمان بن هاشم‏. ثم اختطت مما يلي السويقة العنقاء، و اذا هبطت من وادي حوى وقعت‏ في هذيل، فما كان عن يمينك و أنت تريد الخندق فلهذيل، و ما كان عن يسارك فلدهنة من الأزد. و اختطّت الصّدف قبلي مهرة، فمضوا بخطتهم حتى لقوا حضرموت دون الصحراء و لقوا مما يلي القبلة بني سعد من تجيب‏. و اختطت تجيب شرقي‏ الحصن و قبلي منزل عبداللّه بن سعد بن أبي سرح (و مضوا بخطتهم حتى لقوا مهرة و الصدف من مهبّ الشمال. و اختطت خولان قبلي الحصن من مهبّ الجنوب و مضوا بخطتهم حتى لقوا بني وائل) و الفارسيين في السهل حتى لقوا تجيب‏ و رعينا في الجبل و لقوا مرادا في الشرق و لقوا تجيبا من‏ مهب الشمال. و اختطت مذحج بين خولان و تجيب.

فأما الجيزة فإن معظم خططها للحمراء و هم قوم من العجم و الفارسيين، و كانوا دخلوا مع عمرو بن العاص، منهم بنو ينّة و بنو الأزرق و بنو روبيل، و الى ابن ينّة تنسب السقيفة التي بفسطاط مصر ، و انما أرادوا ان ينفردوا عن العرب و نزلها معهم قوم من همدان و ذي أصبح و منهم شمر بن أبرهة. قد تقدم ذكرنا لبناء عمرو المسجد بمدينة الفسطاط ، ثم مسلمة بن مخلد الأنصاري (أخذ في زيادته) ، و ذلك سنة ثلاث و خمسين، و بنى المنار و كتب عليه اسمه، ثم هدم عبدالعزيز بن مروان المسجد كله (في سنة سبع و سبعين) و بناه. ثم كتب الوليد بن عبدالملك الى قرّة بن شريك العبسي و هو واليه على مصر سنة بضع و تسعين، (فهدمه كله) و بناه بناءه هذا اليوم و زخرفه و نجره و ذهّب رؤوس العمد التي في مجالس قيس خاصة و حوّل قرّة المنبر الي قيسارية العسل‏ . و كان الناس يصلون فيها الصلوات و يجمّعون‏ ثم أول مسجد بني بمصر بعد مسجد عمرو المسجد الذي في أصل حصن الروم عند باب الرّيحان بإزاء الموضع المعروف بالقالوس و و بين الفسطاط و مدينة القاهرة نحو ميلين في خراب كانت مساكن لكتامة و غيرها، و هناك اليوم ثلاثة مشاهد على الطريق من الفسطاط الى القاهرة بناها الحاكم و لها السّدنة و الخدمة، و توقد فيها السّرج الكثيرة الليل كلّه.[۸]


قال ادریسی:

مدينة الفسطاط هي مصر سميت بذلك لأن مصرام بن حام بن نوح عليه السلام بناها في الأول وكانت مدينة مصر أولا عين شمس فلما نزل عمرو بن العاصي والمسلمون معه في صدر الإسلام وافتتحها اختط المسلمون حول فسطاطه فعمروا مكان مصر الآن وهو المكان الذي هي الآن فيه ويقال إنما سميت بالفسطاط لأن عمرو بن العاصي لما استفتح مصر وأراد المسير إلى الإسكندرية أمر بالفسطاط أن يحط ويسار به أمامه فنزلت حمامة في أعلاه وباضت بيضتها فأخبر بذلك عمرو فأمر أن يترك الفسطاط على حاله إلى أن تخلص الحمامة فرخيها ففعل وقال والله ما كنا لنسيء لمن ألفنا واطمأن بجانبنا حتى نفجع هذه الحمامة بكسر بيضتها فترك الفسطاط وأقام بمصر إلى أن تخلص فرخ الحمامة ثم ارتحل وتسمى مدينة مصر باللسان اليوناني ببيلونة وهي الآن مدينة كبيرة على غاية من العمارة والخصب والطيب والحسن فسيحة الطرقات متقنة البناءات قائمة الأسواق نافقة التجارات متصلة العمارات نامية الزراعات لأهلها همم سامية ونفوس نقية عالية وأموال مبسوطة نامية وأمتعة رائقة لا تشتغل نفوسهم بهم ولا تعقد قلوبهم على غم لكثرة أمنهم ورفاهة عيشهم وانبساط العدل والحماية فيهم وطول المدينة ومقدارها ثلاثة فراسخ و النيل يأتيها من أعلى أرضها فيجتازها من ناحية جنوبها وينعطف مع غربيها فينقسم قدامها قسمين يعدى في المدينة من الذراع الواحد إلى الآخر.

وفي هذه الجزيرة مساكن كثيرة جليلة ومبان متصلة على ضفة النيل وهذه الجزيرة تسمى دار المقياس وسنصفه بعد هذا بحول الله وهذه الجزيرة يجاز إليها على جسر فيه نحو ثلاثين سفينة ويجاز القسم الثاني وهو أوسع من الأول على جسر آخر وسفنه أكثر من الأول أضعافا مضاعفة وطرف هذا الجسر يتصل بالشط المعروف بالجيزة وهناك مبان حسنة وقصور شاهقة العلو وسوق وعمارة.

وأرض مصر سبخة غير خالصة التراب وبنيان دورها كلها وقصورها طبقات بعضها فوق بعض والأعم من ذلك تكون طباقها في العلو خمسة وستة وسبعة وربما سكن في الدار المائة من الناس وأكثر وأخبر الحوقلي في كتابه أنه كان بمصر على عهد تأليفه لكتابه دار تعرف بدار عبد العزيز في الموقف يصب لمن فيها في كل يوم أربعمائة راوية ماء وفيها خمسة مساجد وحمامان وفرنان ومعظم بنيان مصر بالطوب وأكثر سفل ديارهم غير مسكون ولها مسجدان جامعان للجمعة والخطبة فيهما أحدهما بناه عمرو بن العاصي في وسط أسواق تحيط به من كل جهة وكان هذا الجامع في أوله كنيسة للروم فأمر به عمرو فقلب مسجدا جامعا والمسجد الجامع الثاني هو بأعلى الموقف بناه أبو العباس أحمد بن طولون ولابن طولون أيضا جامع آخر بناه في القرافة وهو مكان يسكنه المتعبدون وجمل من أهل الخير والعفاف وبالجزيرة التي بين ذراعي النيل جامع وكذلك في الضفة الغربية المسماة بالجيزة.

ومصر بالجملة عامرة بالناس نافقة بضروب المطاعم والمشارب وحسن الملابس وفي أهلها رفاهة وظرف شامل وحلاوة ولها في جميع جوانبها بساتين وجنات وشجر ونخل وقصب سكر وكل ذلك يسقى بماء النيل ومزارعها ممتدة من أسوان إلى حد الإسكندرية ويقيم الماء في أرضهم بالريف منذ ابتداء الحر إلى الخريف ثم ينضب فيزرع عليه ثم لا يسقى بعد ذلك ما زرع عليه ولا يحتاج إلى سقي البتة وأرض مصر لا تمطر ولا تثلج البتة وليس بأرض مصر مدينة يجري فيها الماء من غير حاجة إلا الفيوم.

وأكثر جري النيل إلى جهة الشمال وعرض العمارة عليه من حد أسوان ما بين نصف يوم إلى يوم إلى أن ينتهي إلى الفسطاط تم تعرض العمارة وتتسع فيكون عرضها من الإسكندرية إلى الحوف الذي يتصل بعمارة القلزم نحو ثمانية أيام وليس في أرض مصر مما يحوز ضفتي النيل شئ قفر وإنما هو كله معمور بالبساتين والأشجار والمدن والقرى والناس والأسواق والبيع والشراء وبين طرفي النيل فيما ثبت في الكتب خمسة آلاف وستمائة وأربعة وثلاثون ميلا وفي كتاب الخزانة أن طوله أربعة آلاف وخمس مائة وخمسة وتسعون ميلا وعرضه في بلاد النوبة و الحبشة ثلاثة أميال فما دونها وعرضه ببلد مصر ثلثا ميل وليس يشبه نهرا من الأنهار.

وأما الجزيرة التي تقابل مصر وهي التي قدمنا ذكرها حيث المباني والمتنزهات ودار المقياس فإنها جزيرة عرضها بين القسمين من النيل مارة مع المشرق إلى جهة المغرب وطولها بالضد وهو من الجنوب إلى جهة الشمال وطرفها الأعلى حيث المقياس عريض ووسطها أعرض من رأسها والطرف الثاني محدود وطولها من رأس إلى رأس ميلان وعرضها مقدار رمية سهم ودار المقياس هي في الرأس العريض من الجهة الشرقية مما يلي الفسطاط وهي دار كبيرة يحيط بها من داخلها في كل وجه أقبية دائرة على عمد وفي وسط الدار فسقية كبيرة عميقة ينزل إليها بدرج رخام على الدائر وفي وسط الفسقية عمود رخام قائم وفيه رسوم أعداد أذرع وأصابع بينها وعلى رأس العمود بنيان متقن من الحجر وهو ملون مرسم بالذهب واللازورد وأنواع الأصباغ المحكمة والماء يصل إلى هذه الفسقية على قناة عريضة تصل بينها وبين ماء النيل والماء لا يدخل هذه الجابية إلا عند زيادة ماء النيل وزيادة ماء النيل تكون في شهر أغشت والوفاء من مائة ستة عشر ذراعا وهو الذي يروي أرض السلطان باعتدال فإذا بلغ النيل ثمانية عشر ذراعا روى جميع الأرضين التي هناك فإن بلغ عشرين ذراعا فهو ضرر وأقل زيادته تكون اثني عشر ذراعا والذراع أربعة وعشرون اصبعا فما زاد على الثمانية عشر ضر لأنه يقلع الشجر ويهدم وما نقص عن اثني عشر كان بذلك النقص والجدب وقلة الزراعة.

ومما يلي جنوب الفسطاط قرية منف وبناحية شمالها المدينة المسماة عين شمس وهما كالقريتين مما يلي جبل المقطم ويقال إنهما كانتا متنزهين لفرعون لعنه الله فأما منف فهي الآن خراب أكثرها وأما عين شمس فهي الآن معمورة وهي أسفل جبل المقطم وعلى مقربة منها على رأس جبل المقطم مكان يعرف بتنور فرعون وكانت فيه مرآة تدور على لولب فكان إذا خرج من أحد الموضعين أعني منف أو عين شمس أصعد في هذا المكان الآخر من يعدله ليعاين شخصه ولا تفقد هيئته والتمساح لا يضر بشيء مما جاور الفسطاط ويحكى عنه أنه إذا انحدر من أعلى النيل أو صعد من أسفل وأتى قبالة الفسطاط انقلب على ظهره وعام كذلك حتى يجاوز الفسطاط وحماه ويقال إن ذلك بطلسم صنع له وكذلك أيضا عدوة بوصير لا يضر بها ويضر بعدوة الأشمونى وبينهما عرض النيل وهذا عجب عجيب و بعين شمس مما يلي الفسطاط ينبت البلسان وهو النبات الذي يستخرج منه دهن البلسان ولا يعرف بمكان من الأرض إلا هناك.

وبأسفل الفسطاط ضيعة سيروا وهي ضيعة جليلة يعمل بها شراب العسل المتخذ بالماء والعسل وهو مشهور في جميع الأرض ويتصل بأرض الفسطاط جبل المقطم وبه جمل من قبور الأنبياء عليهم السلام كيوسف ويعقوب والأسباط.

وعلى ستة أميال من مصر الهرمان وهما بناءان في مستو من الأرض ولا يعرف فيما جاورهما جبل يقطع منه حجر يصلح للبناء وطول كل واحد من هذه الأهرام ارتفاعا مع الجو أربعمائة ذراع وعرضه في الدائر كارتفاع الكل مبني بحجارة الرخام التي ارتفاع كل حجر منها خمسة أشبار وطوله خمسة عشر ذراعا إلى العشرة فزائدا وناقصا على قدر ما توجبه الهندسة وموقع الحجر من جوار لصيقه وكلما ارتفع بناؤه على وجه الأرض ضاق حتى يصير أعلاه نحو مبرك جمل ومن شاء الخروج إليهما من البر جاز إلى الجيزة على الجسر ومر من الجيزة إلى قرية دهشور ثلاثة أميال .[۹]


قال کاتب مراکشی:

ثم أمر عمرو المسلمين ببناء دور يسكنونها بالفسطاط و هى مدينه مصر اليوم، و إنما سميت مدينه مصر بالفسطاط لأن عمرو بن العاص حين دخل مصر ضرب فسطاطه بذلك الموقع، فلما أراد التوجه إلى الإسكندريه لقتال من بها من الروم أمر بنزع الفسطاط فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال عمرو لقد تحرم هذا منا بحرم، فأمر الفسطاط فأقر مكانه و أوصى عليه. فقام المسلمون من الإسكندريه بعد فتحها و قال الناس أين ننزل فقيل الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي تركه فى المنزل مضروبا بالموضع الذي يعرف اليوم بدار الحصى. ثم بدأ عمرو ابن العاص ببناء المسجد و كان موضعه حدائق و أعناب فقطعت، و وضعوا أيديهم على البناء فلم يزل عمرو و من حضر من أصحاب رسول اللّه صلعم قياما حتى وضعت القبه، فلما أتمه اتخذ فيه منبرا فكان يخطب عليه.

و قال أبو تميم الجهانى: فوصل ذلك عمر بن الخطاب رضه فكتب إلى عمرو ابن العاص: أما بعد فإنه بلغنى أنك اتخذت منبرا ترقى فيه على رقاب المسلمين‏ أما بحسبك أن تقوم قائما و الناس من تحتك، فعزمت عليك إلا كسرته. ثم اختط عمرو داره التى هى اليوم عند باب المسجد بينهما الطريق، و كذلك اختط جميع من أراد السكنى بمصر من المسلمين دارا لنفسه. و كان الزبير بن العوام اختط دارا و جعل فيها السلم الذي صعد عليه إلى الحصن المتقدم الذكر، فلما ولى عبد الملك بن مروان اغتصبها من الزبير و أصفاها لنفسه، فلما [ولى‏] أبو جعفر المنصور من بنى العباس ردها على هشام بن عروه بن الزبير .»[۱۰]


قال یاقوت الحموی:

وفيه لغات وله تفسير واشتقاق وسبب يذكر عند ذكر عمارته، وأنا أبدأ بحديث فتح مصر ثم أذكر اشتقاقه والسبب في استحداث بنائه، حدث الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعه عن يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر وعيّاش بن عبّاس القتباني وبعضهم يزيد على بعض في الحديث: وهو أن عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، لما قدم الجابيه خلا به عمرو بن العاص وذلك في سنه 18 من التاريخ فقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي في المسير إلى مصر فإنك إن فتحتها كانت قوّه للمسلمين وعونا لهم وهي أكثر الأرضين أموالا وأعجز عن حرب وقتال، فتخوّف عمر بن الخطّاب على المسلمين وكره ذلك فلم يزل عمرو بن العاص يعظّم أمرها عنده ويخبره بحالها ويهوّن عليه أمرها في فتحها حتى ركن عمر ابن الخطاب لذلك فعقد له على أربعه آلاف رجل كلهم من عكّ، قال أبو عمر الكندي: إنه سار ومعه ثلاثه آلاف وخمسمائه ثلثهم من غافق، فقال له: سر وأنا مستخير الله تعالى في تسييرك وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء الله تعالى، فإن لحقك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرف، وإن دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره، فسار عمرو بن العاص بالمسلمين واستخار عمر بن الخطاب الله تعالى فكأنه تخوّف على المسلمين فكتب إلى عمرو يأمره أن ينصرف فوصل إليه الكتاب وهو برفح فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه حتى نزل العريض فقيل له إنها من مصر فدعا بالكتاب وقرأه على المسلمين وقال لمن معه: تعلمون أن هذه القريه من مصر؟ قالوا: نعم، قال: فإن أمير المؤمنين عهد إليّ إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، وقد دخلت أرض مصر فسيروا على بركه الله، فكان أول موضع قوتل فيه الفرما قتالا شديدا نحو شهرين ففتح الله له وتقدم لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتلوه بها نحوا من الشهر حتى فتح الله عز وجل له ثم مضى لا يدافع إلّا بأمر خفيف حتى أتى أمّ دنين وهي المقس فقاتلوه قتالا شديدا نحو شهرين وكتب إلى عمر، رضي الله عنه، يستمدّه فأمدّه باثني عشر ألفا فوصلوا إليه أرسالا يتبع بعضهم بعضا وكتب إليه:

قد أمددتك باثني عشر ألفا وما يغلب اثنا عشر ألفا من قلّه، وكان فيهم أربعه آلاف عليهم أربعه من الصحابه الكبار: الزّبير بن العوّام والمقداد بن الأسود وعباده بن الصامت ومسلمه بن مخلّد، رضي الله عنهم، وقيل إن الرابع خارجه بن حذافه دون مسلمه، ثم أحاط المسلمون بالحصن وأمير الحصن يومئذ المندفور الذي يقال له الأعيرج من قبل المقوقس بن قرقب اليوناني، وكان المقوقس ينزل الإسكندريه وهو في سلطان هرقل غير أنه حاصر الحصن حين حاصره المسلمون، ونصب عمرو فسطاطه في موضع الدار المعروفه بإسرائيل على باب زقاق الزّهري وأقام المسلمون على باب الحصن محاصري الروم سبعه أشهر ورأى الزّبير بن العوّام خللا مما يلي دار أبي صالح الحرّاني الملاصقه لحمّام أبي نصر السّرّاج عند سوق الحمّام فنصب سلّما وأسنده إلى الحصن وقال: إني أهب نفسي لله عز وجل فمن شاء أن يتبعني فليفعل، فتبعه جماعه حتى أوفى على الحصن فكبّر وكبّروا ونصب شرحبيل بن حجيّه المرادي سلّما آخر مما يلي زقاق الزمامره، ويقال إن السلّم الذي صعد عليه الزبير كان موجودا في داره التي بسوق وردان إلى أن وقع حريق في هذه الدار فاحترق بعضه ثم أحرق ما بقي منه في ولايه عبد العزيز بن محمد بن النعمان، أخزاه الله، لقضاء الإسماعيليه وذلك بعد سنه 390، فلما رأى المقوقس أن العرب قد ظفروا بالحصن جلس في سفينه هو وأهل القوه وكانت ملصقه بباب الحصن الغربي ولحقوا بالجزيره وقطعوا الجسر وتحصنوا هناك و النيل حينئذ في مده، وقيل: إن الأعيرج خرج معهم، وقيل:

أقام بالحصن، وسأله المقوقس في الصلح فبعث إليه عمرو عباده بن الصامت وكان رجلا أسود طوله عشره أشبار فصالحه المقوقس عن القبط والروم على أن للروم الخيار في الصلح إلى أن يوافي كتاب ملكهم فإن رضي تمّ ذلك وإن سخط انتقض ما بينه وبين الروم وأما القبط فبغير خيار، وكان الذي انعقد عليه الصلح أن فرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران على كل نفس في السنه من البالغين شريفهم ووضيعهم دون الشيوخ والأطفال والنساء وعلى أن للمسلمين عليهم النزول حيث نزلوا ثلاثه أيام وأن لهم أرضهم وأموالهم لا يعترضون في شيء منها، وكان عدد القبط يومئذ أكثر من سته آلاف ألف نفس والمسلمون خمسه عشر ألفا، فمن قال إن مصر فتحت صلحا تعلّق بهذا الصلح، وقال: إن الأمر لم يتم إلا بما جرى بين عباده بن الصامت والمقوقس وعلى ذلك أكثر علماء مصر ، منهم عقبه بن عامر وابن أبي حبيب والليث بن سعد وغيرهم، وذهب الذين قالوا إنها فتحت عنوه إلى أن الحصن فتح عنوه فكان حكم جميع الأرض كذلك، وبه قال عبد الله بن وهب ومالك بن أنس وغيرهما، وذهب بعضهم إلى أن بعضها فتح عنوه وبعضها فتح صلحا، منهم: ابن شهاب وابن لهيعه، وكان فتحها يوم الجمعه مستهل المحرم سنه 20 للهجره، وذكر يزيد بن أبي حبيب أن عدد الجيش الذين شهدوا فتح الحصن خمسه عشر ألفا وخمسمائه، وقال عبد الرحمن بن سعيد بن مقلاص: إن الذين جرت سهامهم في الحصن من المسلمين اثنا عشر ألفا وثلاثمائه بعد من أصيب منهم في الحصار بالقتل والموت وكان قد أصابهم طاعون، ويقال إن الذين قتلوا من المسلمين دفنوا في أصل الحصن، فلما حاز عمرو ومن معه ما كان في الحصن أجمع على المسير إلى الإسكندريه فسار إليها في ربيع الأول سنه 20 وأمر عمرو بفسطاطه أن يقوّض فإذا بيمامه قد باضت في أعلاه فقال: لقد تحرّمت بجوارنا، أقرّوا الفسطاط حتى تنقف وتطير فراخها، فأقرّ فسطاطه ووكّل به من يحفظه أن لا تهاج ومضى إلى الإسكندريه وأقام عليها سته أشهر حتى فتحها الله عليه فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في سكناها فكتب إليه: لا تنزل بالمسلمين منزلا يحول بيني وبينهم فيه نهر ولا بحر، فقال عمرو لأصحابه: أين ننزل؟

فقالوا: نرجع أيها الأمير إلى فسطاطك فنكون على ماء وصحراء، فقال للناس: نرجع إلى موضع الفسطاط، فرجعوا وجعلوا يقولون: نزلت عن يمين الفسطاط وعن شماله، فسميت البقعه بالفسطاط لذلك، وتنافس الناس في المواضع فولى عمرو بن العاص على الخطط معاويه بن حديج وشريك بن سميّ وعمرو ابن قحزم وجبريل بن ناشره المعافري فكانوا هم الذين نزّلوا القبائل وفصلوا بينهم، وللعرب ست لغات في الفسطاط، يقال: فسطاط بضم أوله وفسطاط بكسره وفسّاط بضم أوله وإسقاط الطاء الأولى وفسّاط بإسقاطها وكسر أوله وفستاط وفستاط بدل الطاء تاء ويضمون ويفتحون، ويجمع فساطيط، وقال الفراء في نوادره: ينبغي أن يجمع فساتيط ولم أسمعها فساسيط، وأما معناه فإنّ الفسطاط الذي كان لعمرو ابن العاص هو بيت من أدم أو شعر، وقال صاحب العين: الفسطاط ضرب من الأبنيه، قال: والفسطاط أيضا مجتمع أهل الكوره حوالي مسجد جماعتهم، يقال: هؤلاء أهل الفسطاط، وفي الحديث: عليكم بالجماعه فإن يد الله على الفسطاط، يريد المدينه التي يجتمع فيها الناس، وكل مدينه فسطاط، قال: ومنه قيل لمدينه مصر التي بناها عمرو بن العاص الفسطاط، روي عن الشعبي أنه قال: في العبد الآبق إذا أخذ في الفسطاط ففيه عشره دراهم وإذا أخذ خارج الفسطاط ففيه أربعون، وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم: فلما فتحت مصر التمس أكثر المسلمين الذين شهدوا الفتح أن تقسم بينهم فقال عمرو: لا أقدر على قسمتها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها ويعلمه أن المسلمين طلبوا قسمتها، فكتب إليه عمر: لا تقسمها وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين وقوه لهم على جهاد عدوهم، فأقرها عمرو وأحصى أهلها وفرض عليهم الخراج، ففتحت مصر كلها صلحا بفريضه دينارين دينارين على كل رجل لا يزاد على أحد منهم في جزيه رأسه أكثر من دينارين إلا أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع إلا أهل الإسكندريه فإنهم كانوا يؤدون الجزيه والخراج على قدر ما يرى من وليهم لأن الإسكندريه فتحت عنوه بغير عهد ولا عقد ولم يكن لهم صلح ولا ذمه، وحدث الليث بن سعد عن عبد الله بن جعفر قال:

سألت شيخا من القدماء عن فتح مصر فقال: هاجرنا إلى المدينه أيام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وأنا محتلم وشهدت فتح مصر ، وقلت: إن ناسا يذكرون أنه لم يكن لهم عهد، فقال: لا يبالي أن لا يصلي من قال إنه ليس لهم عهد، فقلت: هل كان لهم كتاب؟ قال: نعم كتب ثلاثه: كتاب عند طلما صاحب إخنى وكتاب عند قرمان صاحب رشيد وكتاب عند يحنّس صاحب البرلّس، قلت: فكيف كان صلحهم؟ قال: ديناران على كل إنسان جزيه وأرزاق المسلمين، قلت: أفتعلم ما كان من الشروط؟

قال: نعم سته شروط: لا يخرجون من ديارهم ولا تنتزع نساؤهم ولا كنوزهم ولا أراضيهم ولا يزاد عليهم، وقال عقبه بن عامر: كانت شروطهم سته:

أن لا يؤخذ من أرضهم شيء ولا يزاد عليهم ولا يكلفوا غير طاقتهم ولا تؤخذ ذراريهم وأن يقاتل عنهم عدوهم من ورائهم، وعن يحيى بن ميمون الحضرمي قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر صولح جميع من فيها من الرجال من القبط ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ليس فيهم صبيّ ولا امرأه ولا شيخ على دينارين دينارين فأحصوا لذلك فبلغت عدتهم ثلاثمائه ألف ألف، وذكر آخرون أن مصر فتحت عنوه، روى ابن وهب عن داود بن عبد الله الحضرمي أن أبا قنّان حدثه عن أبيه أنه سمع عمرو بن العاص يقول: قعدت في مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر عليّ عهد ولا عقد إلا لأهل انطابلس فإن لهم عهدا نوفي لهم به إن شئت قتلت وإن شئت خمست وإن شئت بعت، وروى ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري عن ربيعه بن أبي عبد الرحمن أن عمرو بن العاص فتح مصر بغير عقد ولا عهد وأن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حبس درّها وصرّها أن يخرج منها شيء نظرا للإمام وأهله، والله الموفق.[۱۱]


قال القزوینی:

هي المدينة المشهورة بمصر ، بناها عمرو بن العاص؛ قيل: انه لما فتح مصر عزم الإسكندرية في سنة عشرين، وأمر بفسطاطه أن يقوض فإذا يمامة قد باضت في أعلاه فقال: تحرمت بجوارنا، اقروا الفسطاط حتى ينقف وتطير فراخها، ووكل به من يحفظه ومضى نحو الإسكندرية وفتحها، فلما فرغ من القتال قال لأصحابه: أين تريدون تنزلون؟ قالوا: يا أيها الأمير نرجع إلى فسطاطك لنكون على ماء وصحراء! فرجعوا إليها وخط كل قوم بها خطأ بنوا فيها وسمي بالفسطاط.

وبنى عمرو بن العاص الجامع في سنة إحدى وعشرين، يقال: قام على اقامة قبلته ثمانون صحابياً، منهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة ابن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري. وهذا الجامع باق في زماننا. كتب القرآن جميعه على ألواح من الرخام الأبيض بخط كوفي بين في حيطانه من أعلاها إلى أسفلها، وجعل أعشار القرآن وآياته وأعداد السور بالذهب واللازورد، فيقرأ الإنسان جميع القرآن منها وهو قاعد، ثم استولى الفرنج عليها وخربوها. فلما كانت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة قدم صلاح الدين وأمر ببناء سور على الفسطاط والقاهرة، فذرع دورتها فكانت فرسخين ونصفاً، وكان بها طلسم للتماسيح؛ قال أبو الريحان الخوارزمي: كان بجبال الفسطاط طلسم للتماسيح، وكانت لا تستطيع الإضرار حولها، وكان إذا بلغ حولها استلقى وانقلب على ظهره، وكان يلعب به الصبيان فكسر ذلك الطلسم وبطل حكمه.

وبالفسطاط محلة تسمى الجزيرة، لأن النيل إذا زاد أحاط الماء بها وحال بينها وبين معظم الفسطاط فاستقلت هي بنفسها. وبها أسواق وجامع وبساتين وهي من متنزهات مصر؛ قال الساعاتي الدمشقي:

ما أنس لا أنس الجزيرة ملعباً للأنس تألفها الحسان الخرّد
يجري النّسيم بغصنها وغديرها فيهزّ رمحٌ أو يسلّ مهنّد
ويريك دمع الطّلّ كلّ سفيقةٍ كالخدّ دبّ به عذارٌ أسود

شهرى است در مصر. عمرو عاص بنا نهاده. گويند چون عمرو عاص، مصر را فتح نمود، عازم اسكندريه گرديد و خيمه خود را در زمينى كه حال به شهر فسطاط مشهور است، زد. از اتفاقات، كبوترى در بالاى خيمه تخم گذاشت. عمرو عاص گفت: اگر خيمه را برچينيم، كبوترى كه به ما پناه آورده و رنج كشيده، بيضه اش ضايع گردد. پس، مستحفظ، براى خيمه تعيين كرده به اسكندريه رفت. و عرب، خيمه را «فسطاط» گويد. بعد از فتح اسكندريه ، لشكريان خواهش نمودند كه به فسطاط، عود نمايند. پس، عمرو عاص با لشكريان به آنجا عود نمود. چون، مكانى قابل بود، آن مكان را بر لشكريان قسمت نمود و بناى شهر عالى نهادند. و جامعى در آنجا، بنا نهاد و جميع آيات قرآن را در در و ديوار آن مسجد به خط كوفى بالاى سنگ رخام نويساند. و اين، در سنه بيست و يك هجرى بود. پس از آن، فرنگيان بر آنجا مستولى شده آنجا را خراب نمودند. و چون، سال پانصد و هفتاد و دو هجرى رسيد صلاح الدين، لشكر بدانجا كشيده فتح فسطاط را نموده، حكم به تعمير آنجا فرمود و قلعه اى بر گرد فسطاط كشيد به مساحت دو فرسنگ و نيم. گويند كه طلسمى براى نهنگ در فسطاط بوده كه ضرر نهنگ به حوالى آن نمى رسيد و حال آن طلسم، ضايع شده است. و جزيره اى در كنار فسطاط مى باشد كه چون، نيل طغيان كند، آب بدانجا رسد. و آن جزيره در نهايت نزاهت و خرمى است؛ چنانكه ساعاتى دمشقى گويد: .....[۱۲]


قال ابوالفداء:

الفسطاط

مدينة محدثة بناها عمرو بن العاص لما فتح ديار مصر في خلافة عمر- رضي اللّه عنهما-، و كان في موضع الفسطاط قصر من بناء الأوائل يقال له قصر الشمع، و كان فسطاط عمرو حيث الجامع المعروف بجامع عمرو بمصر، و لم تزل مصر- و هي الفسطاط- كرسي مملكة الديار المصرية حتى تولى مصر أحمد بن طيلون فبنى له و لعسكره القطائع في شمالي مصر، و بنى عند القطائع جامعه المعروف بجامع طيلون، و هو مشهور هناك ...

قال ابن يونس الحاكمي بعد أن حسب أن بعد سمت القبلة عن خط الجنوب بالفسطاط (نح) على (أن) طول الفسطاط (نه): و قد حسبت لارتفاع الشمس على سمت القبلة على أن الانحراف المذكور (نب) و ذلك لشي‏ء رأيته في الطول و يدل قوله على أن قول من جعل أن طول الفسطاط (نه) أو ما يقرب منه غير سديد، فيكون طول الفسطاط على قول ابن يونس ما يزيد على (نه) و قوله أولى ما أخذ به. [۱۳]


قال عبد المومن البغدادی:

و أصله أن عمرو بن العاص حين نزل على مصر ضرب فى منزله لقتالهم بيتا من أدم أو شعر، فلما فتحت مصر، و حاز عمرو من معه، ما كان فى حصنها أجمع على المسير إلى الإسكندرية، و أمر بفسطاطه أن يقوّض، فإذا بيمامة قد باضت فى أعلاه، فقال: لقد تحرّمت بجوارنا؛ أقروا الفسطاط حتى تنقف و يطير فراخها؛ فأقر فسطاطه، و وكل به من يحفظه ألّا يباح ، و مضى إلى الإسكندرية، فأقام عليها ستة أشهر حتى فتحها اللّه عليه، فكتب إلى عمر يستأذنه فى سكنها فكتب إليه: لا تنزل بالمسلمين منزلا يحول بينى و بينهم بحر و لا نهر؛ فقال عمرو لأصحابه: أين ننزل؟ قالوا: نرجع إلى فسطاطك فيكون على ماء و صحراء فرجعوا؛ و نزل عمرو فيه، و نزل الناس حوله، و جعلوا يقولون: نزلت عن يمين الفسطاط و شماله. فسميت البقعة بالفسطاط لذلك، و تنافس للناس فى الخطط فوّلى عمرو على الخطط معاوية بن خديج، و شريك بن سمى، و عمرو ابن مخرّم ، و جبريل بن باسرة المعافرى؛ فكانوا هم الذين تولّوا إنزالهم، و قد كان رجل يسمّى قيسبة حاز الموضع الذي بناه عمرو بن العاص، و كان جبانة، فلما رجعوا إلى الفسطاط سأل عمرو قيسبة فى منزله هذا أن يجعله مسجدا فتصدّق به قيسبة على المسلمين؛ فبناه عمرو مسجدا، و جعل طوله خمسين ذراعا فى ثلاثين، ثم زيد فيه بعد ذلك بهذا هو الجامع المعروف بجامع عمرو ابن العاص. ثم بعد ذلك شكا أهل مصر إلى ابن طولون ضيق جامعهم- يعنى جامع عمرو بن العاص- فأمر ببناء جامع، بجبل يشكر جزيلة ، و هو الآن بين مصر و القاهرة، فبنى جامعه المعروف بجامع ابن طولون، و خرب الفسطاط بعد ذلك حتى خلا أكثره فلم يبق إلا نفر يسير، و بنيت القاهرة المعزية إلى جانبه، و نزل الفرنج على القاهرة. فأضرم أهل مصر النار فى البلد لئلا يملكه العدوّ حتى لم يكن لهم طاقة على دفعه.

فلما قدم صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى مصر أمر ببناء سور على القاهرة و الفسطاط و القلعة التى على جبل المقطم فذرع دوره، فكان تسعة و عشرين ألف ذراع و ثلاثمائة ذراع بالذراع الهاشمى، و لم يزل العمل فيه إلى أن مات، فدوره على هذا سبعة أميال و نصف، و هى فرسخان و نصف.[۱۴]


قال العمری:

و الفسطاط المسمى الآن على ألسنة العامة بمصر مدينة مبنية على ضفة النيل الشرقية، و قد بنى قبالتها في الجزيرة المبنى بها المقايس، أبنية كثيرة، صارت كأنها فرقة من مصر ، و مجرى النيل بينهما لمنظره بينهما عند امتداد ضوء القمر، أو إيقاد السرج بالليل، منظر يجذب القلوب...[۱۵]


حافظ ابرو نوشته است:

«مدينه‏اى است كه آن را عمرو عاص بنا كرده است در زمان خلافت امير المؤمنين عمر رضى اللّه عنه ، به وقتى كه فتح ديار مصر كرد. و در فسطاط قصرى رفيع است مشهور به قصر شمع، از بناهاى قديم است. و عمرو بن العاص جامعى عمارت كرده است كه آن را جامع عمرو خوانند و تاج الجوامع نيز گويند. اين مسجد به چهار صد ستون رخامين پوشيده است. گرد بر گرد مسجد بازارهاست به هر جانبى درها گشاده.

در زمان عباسيان احمد طولون به امارت مصر رفت. او نيز مسجد جامعى ساخته است كه آن را جامع طولون خوانند.

[به غير از اين دو مسجد پنج مسجد جامع ديگرست چنانچه روز جمعه در فسطاط هفت موضع خطبه خوانند ] و شهر فسطاط بر درازاى نيل نهاده‏اند بر بالاى پشته‏اى بلند. و زمين آن اكثر سنگ است. باروئى دارد دو ديوار محكم بر روى يكديگر كشيده. و خانهاى اهل شهر چهار طبقه [و پنج طبقه‏] تا هفت طبقه باشد. يكى از ثقات حكايت كرد كه در شهر [ مصر شخصى‏] باغى ساخته است بر بالاى خانها بعد از پنج طبقه. و آن را به دولاب آب مى‏داده‏اند و گوساله‏اى بر آن بالا برده بوده است، اكنون كه گاوى شده آب آن باغ مى‏رساند. از نوادرى كه در شهر است يكى آن است كه اگر كسى خواهد كه باغى بسازد، به سه روز چنان مرتب توان كرد كه در شهر ديگر به ده سال نشود. به سبب آنكه از هر جنس درخت كه نام برند، در شهر كاشته در طغارها معدّ و مهيّا است و مى‏فروشند. چنانكه يكى روايت كرد كه در موضعى سلطان مصر را داعيه آن شد كه باغى سازد ، و آن زمينى سنگلاخ (و) ناهموار بود. بعد از سه روز آن را هموار كرده، مجموع با درخت بار آور سبز مرتب شده بود و چاه كنده و دولاب بر آن ساخته، چنانكه هر كس بديدى گفتى ده سال باشد كه اين باغ بنا كرده‏اند.»[۱۶]


قال مقريزى:

ذكر فسطاط مصر


قال الجوهريّ: الفسطاط بيت من شعر، قال: و منه فسطاط مدينة مصر، إعلم: أن فسطاط مصر اختط في الإسلام بعد ما فتحت أرض مصر، و صارت دار إسلام، و قد كانت بيد الروم، و القبط و هم نصارى ملكانية، و يعقوبية و ميانية، و حين اختط المسلمون الفسطاط انتقل كرسيّ المملكة من مدينة الإسكندرية بعد ما كانت منزل الملك، و دار الإمارة زيادة على تسعمائة سنة، و صار من حينئذ الفسطاط دار إمارة ينزل به أمراء مصر، فلم يزل على ذلك حتى بنى العسكر بظاهر الفسطاط، فنزل فيه أمراء مصر، و سكنوه، و ربما سكن بعضهم الفسطاط، فلما أنشأ الأمير أبو العباس أحمد بن طولون القطائع بجانب العسكر سكن فيها، و اتخذها الأمراء من بعده منزلا إلى أن انقرضت دولة بني طولون، فصار أمراء مصر من بعد ذلك ينزلون بالعسكر خارج الفسطاط، و ما زالوا على ذلك حتى قدمت عساكر الإمام المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ الفاطميّ مع كاتبه جوهر القائد، فبنى القاهرة، و صارت خلافة، و استمرّ سكنى الرعية بالفسطاط، و بلغ من وفور العمارة، و كثرة الخلائق، ما أربى على عامّة مدن المعمور حاشا بغداد، و ما زال على ذلك، حتى تغلب الفرنج على سواحل البلاد الشامية، و نزل مخري ملك الفرنج بجموعه الكثيرة على بركة الحبش‏ يريد الاستيلاء على مملكة مصر، و أخذ الفسطاط و القاهرة، فعجز الوزير شاور ابن مجير السعديّ عن حفظ(صفحه 65)

البلدين معا، فأمر الناس بإخلاء مدينة الفسطاط، و اللحاق بالقاهرة للامتناع من الفرنج، و كانت القاهرة إذ ذاك من الحصانة، و الامتناع بحيث لا ترام، فارتحل الناس من الفسطاط، و ساروا بأسرهم إلى القاهرة، و أمر شاور، فألقى العبيد النار في الفسطاط، فلم تزل به بضعا و خمسين يوما حتى احترقت أكثر مساكنه، فلما رحل مري عن القاهرة، و استولى شيركوه‏ على الوزارة تراجع الناس إلى الفسطاط، و رموا بعض شعثه، و لم يزل في نقص و خراب إلى يومنا هذا، و قد صار الفسطاط يعرف في زمننا بمدينة مصر، و اللّه أعلم.

ذكر ما كان عليه موضع الفسطاط قبل الإسلام إلى أن اختطه المسلمون مدينة اعلم: أنّ موضع الفسطاط الذي يقال له اليوم: مدينة مصر كان فضاء و مزارع فيما بين النيل، و الجبل الشرقيّ الذي يعرف بالجبل المقطم، ليس فيه من البناء، و العمارة سوى حصن يعرف اليوم بعضه: بقصر الشمع، و بالمعلقة ينزل به شحنة الروم المتولي على مصر من قبل القياصر ملوك الروم عند مسيره من مدينة الإسكندرية، و يقيم فيه ما شاء، ثم يعود إلى دار الإمارة، و منزل الملك من الإسكندرية، و كان هذا الحصن مطلا على النيل، و تصل السفن في النيل إلى بابه الغربيّ الذي كان يعرف بباب الحديد، و منه ركب المقوقس في السفن في النيل من بابه الغربيّ حين غلبه المسلمون على الحصن المذكور، و صار فيه إلى الجزيرة التي تجاه الحصن، و هي التي تعرف اليوم: بالروضة قبالة مصر، و كان مقياس النيل بجانب الحصن.

و قال ابن المتوّج: و عمود المقياس موجود في زقاق مسجد ابن النعمان قلت: و هو باق إلى يومنا هذا، أعني سنة عشرين و ثمانمائة، و كان هذا الحصن لا يزال مشحونا بالمقاتلة، و سيرد في هذا الكتاب خبره إن شاء اللّه تعالى، و كان بجوار هذا الحصن من بحريه، و هي الجهة الشمالية أشجار و كروم صار موضعها الجامع العتيق، و فيما بين الحصن و الجبل عدّة كنائس، و ديارات للنصارى في الموضع الذي يعرف اليوم براشدة، و بجانب الحصن فيما بين الكروم التي كانت بجانبه، و بين الجرف الذي يعرف اليوم: بجبل يشكر، حيث جامع ابن طولون، و الكبش عدّة كنائس، و ديارات للنصارى في الموضع الذي كان يعرف في أوائل الإسلام بالحمراء، و عرف الآن بخط قناطر السباع و السبع سقايات، و بقي بالحمراء عدّة من الديارات إلى أن هدمت في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون على ما ذكر في هذا الكتاب عند ذكر كنائس النصارى، فلما افتتح عمرو بن العاص مدينة(صفحه 66)


الإسكندرية الفتح الأوّل نزل بجوار هذا الحصن، و اختط الجامع المعروف بالجامع العتيق، و بجامع عمرو بن العاص، و اختطت قبائل العرب من حوله، فصارت مدينة عرفت بالفسطاط، و نزل الناس بها، فانحسر بعد الفتح بأعوام ماء النيل عن أرض تجاه الحصن و الجامع العتيق، فصار المسلمون يوقفون هناك دوابهم، ثم اختطوا فيه المساكن شيئا بعد شي‏ء، و صار ساحل البلد حيث الموضع الذي يقال له اليوم في مصر: المعاريج مارّا إلى الكوم الذي على يسرة الداخل من باب مصر بحدّ الكبارة، و في موضع هذا الكوم كانت الدور المطلة على النيل، و يمرّ الساحل من باب مصر المذكور إلى حيث بستان ابن كيسان الذي يعرف اليوم: ببستان الطواشي في أوّل مراغة مصر، و جميع الأماكن التي تعرف اليوم:

بمراغة مصر و بالجرف إلى الخليج عرضا، و من حيث قنطرة السدّ إلى سوق المعاريج طولا، كان غامرا بماء النيل إلى أن انحسر عنه ماء النيل بعد سنة ستمائة من سني الهجرة، فصار رملة، ثم اختط فيه الأمراء مما يلي النيل آدرا عند ما عمر الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الروضة، و اختط بعضه شونا إلى أن أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون جامعه المعروف بالجامع الجديد الناصري ظاهر مصر، فعمر ما حوله، و قد كان عند فتح مصر سائر المواضع التي من منشأة المهرانيّ إلى بركة الحبش طولا، و من ساحل النيل بموردة الحلفاء، و تجاه الجامع الجديد إلى سوق المعاريج، و ما على سمته إلى تجاه المشهد الذي يقال له: مشهد الراس، و تسميه العامّة اليوم: مشهد زين العابدين كلها بحرا لا يحول بين الحصن و الجامع، و ما على سمتهما إلى الحمراء الدنيا التي منها اليوم: خط قناطر السباع، و بين جزيرة مصر التي تعرف اليوم: بالروضة شي‏ء سوى ماء النيل، و جميع ما في هذه المواضع من الأبنية انكشف عنه النيل قليلا قليلا، و اختط على ما يتبين لك في هذا الكتاب.(صفحه 67)[۱۷]


قال مقريزى ایضاً:


ذكر السبب في تسمية مدينة مصر بالفسطاط


قال ابن عبد الحكم عن يزد بن أبي حبيب: أنّ عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية، و رأى بيوتها، و بناءها مفروغا منها، همّ أن يسكنها، و قال: مساكن قد كفيناها، فكتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بيني و بين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل، فكتب عمر إلى عمرو: إني لا أحب أن تنزل بالمسلمين منزلا يحول الماء بيني و بينهم في شتاء و لا صيف، فتحوّل عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط، قال: و كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى سعد بن أبي وقاص، و هو نازل بمدائن كسرى، و إلى عامله بالبصرة، و إلى عمرو بن العاص، و هو نازل بالإسكندرية: أن لا تجعلوا بيني و بينكم ماء متى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت، فتحوّل سعد من مدائن كسرى إلى الكوفة، و تحوّل صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه، فنزل البصرة، و تحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط.(صفحه 85)

قال: و إنما سميت الفسطاط لأنّ عمرو بن العاص لما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم، أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه يمام قد فرّخ، فقال عمرو: لقد تحرّم منا بمتحرّم، فأمر به فأقرّ كما هو، و أوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي كان خلفه، و كان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار الحصار عند دار عمرو الصغيرة.

قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ: كان فسطاط عمرو عند درب حمام شمول بخط الجامع، و قال ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث في حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «عليكم بالجماعة فإنّ يد اللّه على الفسطاط» يرويه سويد بن عبد العزيز عن النعمان بن المنذر عن مكحول عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم. و الفسطاط: المدينة، و كل مدينة: فسطاط، و لذلك قيل لمصر: فسطاط. و قال البكريّ: الفسطاط بضم أوّله و كسره و إسكان ثانيه: اسم لمصر، و يقال: فسطاط و بسطاط. قال المطرّزي: و فصطاد، و فستاد، و بكسر أوائل جميعها، فهي عشر لغات. و قال ابن قتيبة:

كل مدينة فسطاط، و ذكر حديث: عليكم بالجماعة، فإنّ يد اللّه على الفسطاط، و أخبرني أبو حاتم عن الأصمعيّ أنه قال: حدّثني رجل من بني تميم قال: قرأت في كتاب رجل من قريش: هذا ما اشترى فلان بن فلان من عجلان مولى زياد، اشترى منه خمسمائة جريب‏ حيال الفسطاط، يريد البصرة، و منه قول الشعبيّ في الآبق إذا أخذ في الفسطاط عشرة، و إذا أخذ خارجا عن الفسطاط أربعون، و أراد أن يد اللّه على أهل الأمصار و أنّ من شذ عنهم، و فارقهم في الرأي فقد خرج عن يد اللّه، و في ذلك آثار، و اللّه أعلم. ذكر الخطط التي كانت بمدينة الفسطاط اعلم: أنّ الخطط التي كانت بمدينة فسطاط مصر، بمنزلة الحارات التي هي اليوم بالقاهرة، فقيل لتلك في مصر: خطة، و قيل لها في القاهرة: حارة. قال القضاعيّ: و لما رجع عمرو من الإسكندرية، و نزل موضع فسطاطه، انضمت القبائل بعضها إلى بعض، و تنافسوا في المواضع، فولى عمرو على الخطط: معاوية بن خديج التجيبيّ، و شريك بن سميّ الغطيفيّ، و عمرو بن قحزم الخولانيّ، و حيويل بن ناشزة المغافريّ، و كانوا هم الذين أنزلوا الناس، و فصلوا بين القبائل، و ذلك في سنة إحدى و عشرين.(صفحه 86)

خطة أهل الراية: أهل الراية جماعة من قريش، و الأنصار و خزاعة، و أسلم، و غفار، و مزينة، و أشجع، و جهينة، و ثقيف، و دوس، و عبس بن بغيض، و حرش من بني كنانة، و ليث بن بكر، و العتقاء منهم إلا أنّ منزل العتقاء في غير الراية، و إنما سموا أهل الراية، و نسبت الخطة إليهم لأنهم جماعة لم يكن لكل بطن منهم من العدد ما ينفرد بدعوة من الديوان، فكره كل بطن منهم أن يدعى باسم قبيلة غير قبيلته، فجعل لهم عمرو بن العاص راية، و لم ينسبها إلى أحد فقال: يكون موقفكم تحتها، فكانت لهم كالنسب الجامع، و كان ديوانهم عليها، و كان اجتماع هذه القبائل لما عقده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من الولاية بينهم، و هذه الخطة محيطة بالجامع من جميع جوانبه، ابتدأوا من المصف الذي كانوا عليه في حصارهم الحصن، و هو باب الحصن الذي يقال له: باب الشمع، ثم مضوا بخطتهم إلى حمام الفار، و شرعوا بغربيها إلى النيل، فإذا بلغت إلى النحاسين، فالجانبان لأهل الراية إلى باب المسجد الجامع المعروف: بباب الوراقين، ثم يسلك على حمام شمول، و في هذه الخطة زقاق القناديل إلى تربة عفان إلى سوق الحمام إلى باب القصر الذي بدأنا بذكره.

خطة مهرة: بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير: و خطة مهرة هذه قبليّ خطة الراية، و اختطت مهرة أيضا على سفح الجبل الذي يقال له: جبل يشكر مما يلي الخندق إلى شرقيّ العسكر إلى جنان بني مسكين، و من جملة خطة مهرة الموضع الذي يعرف اليوم بمساطب الطباخ، و اسمه حمد، و يقال: إنّ الخطة التي لهم قبليّ الراية كانت حوزا لهم يربطون فيها خيلهم إذا رجعوا إلى الجمعة، ثم انقطعوا إليها، و تركوا منازلهم بيشكر.

خطة تجيب: و تجيب هم بنو عديّ، و سعد ابني الأشرس بن شبيب بن السكن بن الأشرس بن كندة، فمن كان من ولد عديّ، و سعد يقال لهم: تجيب، و تجيب: أمّهم، و هذه الخطة تلي خطة مهرة، و فيها درب الممصوصة آخره حائط من الحصن الشرقيّ. و خطط لخم في موضعين: فمنها خطة لخم بن عديّ بن مرّة بن أدد، و من خالطها من جذام، فابتدأت لخم بخطتها من الذي انتهت إليه خطة الراية و أصعدت ذات الشمال، و في هذه الخطة سوق بربر، و شارعه مختلط فيما بين لخم، و الراية و لهم خطتان أخريان، إحداهما منسوبة إلى بني رية بن عمرو بن الحارث بن وائل بن راشدة من لخم، و أوّلها شرقيّ الكنيسة المعروفة: بمكائيل التي عند خليج بني وائل، و هذا الموضع اليوم وراقات يعمل فيها الورق بالقرب من باب القنطرة خارج مصر، و الخطة الثانية: خطة راشدة بن أدب بن جزيلة من لخم، و هي متاخمة للخطة التي قبلها، و في هذه الخطة جامع راشدة، و جنان كهمس بن معمر الذي عرف: بالمادرانيّ، ثم عرف بجنان الأمير تميم، و هو اليوم يقال له: المعشوق بجوار الآثار النبوية، و لهم مواضع مع اللفيف، و خطط أيضا بالحمراء.(صفحه 87)

خطط اللفيف: إنما سموا بذلك لالتفات بعضهم ببعض، و سبب ذلك: أنّ عمرو بن العاص، لما فتح الإسكندرية أخبر أنّ مراكب الروم قد توجهت إلى الإسكندرية لقتال المسلمين، فبعث عمرو بعمرو بن جمالة الأزديّ الحجريّ ليأتيه بالخبر، فمضى و أسرعت هذه القبائل التي تدعى اللفيف، و تعاقدوا على اللحاق به، و استأذنوا عمرو بن العاص في ذلك، فأذن لهم و هم جمع كثير، فلما رآهم عمرو بن جمالة استكثرهم، و قال: تاللّه ما رأيت قوما قد سدّوا الأفق مثلكم، و إنكم كما قال اللّه تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً [الإسراء/ 104] فبذلك سموا من يومئذ اللفيف، و سألوا عمرو بن العاص: أن يفرد لهم دعوة فامتنعت عشائرهم من ذلك، فقالوا لعمرو: فإنا نجتمع في المنزل حيث كنا، فأجابهم إلى ذلك، فكانوا مجتمعين في المنزل متفرّقين في الديوان إذا دعي كل بطن منهم، انضم إلى بني أبيه.

قال قتادة و مجاهد و الضحاك بن مزاحم في قوله: جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً [الإسراء/ 104] قال: جميعا، و كان عامتهم من الأزد من الحجر، و من غسان، و من شجاعة، و التف بهم نفر من جذام و لخم و الزحاف، و تنوخ من قضاعة، فهم مجتمعون في المنزل متفرّقون في الديوان، و هذه الخطة أوّلها مما يلي الراية سالكا ذات الشمال إلى نقاشي البلاط، و فيها دار ابن عشرات إلى نحو من سوق وردان.

خطط أهل الظاهر: إنما سمي هذا المنزل بالظاهر، لأنّ القبائل التي نزلته كانت بالإسكندرية، ثم قفلت بعد قفول عمرو بن العاص، و بعد أن اختط الناس خططهم، فخاصمت إلى عمرو، فقال لهم معاوية بن خديج: و كان ممن يتولى الخطط يومئذ أرى لكم أن تظهروا على أهل هذه القبائل، فتتخذوا منزلا فسمي الظاهر بذلك، و كانت القبائل التي نزلت الظاهر العتقاء، و هم جماع من القبائل، كانوا يقطعون على أيام النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فبعث إليهم، فأتى بهم أسرى، فأعتقهم، فقيل لهم: العتقاء، و ديوانهم مع أهل الراية، و خطتهم بالظاهر متوسطة فيه، و كان فيهم طوائف من الأزد و فهم، و أوّل هذه الخطة من شرقيّ خطة لخم، و تتصل بموضع العسكر، و من هذه الخطة سويقة العراقيين، و عرفت بذلك ونّ زيادا لما ولاه معاوية بن أبي سفيان البصرة، غرّب جماعة من الأزد إلى مصر، و بها مسلمة بن مخلد في سنة ثلاث و خمسين، فنزل منهم هنا نحو من مائة و ثلاثين، فقيل لموضعهم من خطة الظاهر: سويقة العراقيين. خطط غافق: هو غافق بن الحارث بن عك بن عدنان بن عبد اللّه بن الأزد، و هذه الخطة تلي خطة لخم إلى خطة الظاهر، بجوار درب الأعلام. خطط الصدف: و اسمه مالك بن سهل بن عمرو بن قيس بن حمير، و دعوتهم مع كندة.(صفحه 88)

خطط الفارسيين: و استبدّ بخطة خولان من حضر فتح مصر من الفارسيين، و هم بقايا جند باذان عامل كسرى على اليمن قبل الإسلام، أسلموا بالشأم، و رغبوا في الجهاد، فنفروا مع عمرو بن العاص إلى مصر، فاختطوا بها، و أخذوا في سفح الجبل الذي يقال له: جبل باب البون، و هذا الجبل اليوم شرقيّ من وراء خطة جامع ابن طولون تعرف أرضه بالأرض الصفراء، و هي من جملة العسكر. خطة مذحج: بالحاء قبل الجيم، و هو مالك بن مرّة بن أدد بن زيد بن كهلان. خطة غطيف: بن مراد.

خطة و علان: بن قرن بن ناجية بن مراد، و كلهم من مذحج، فاختطت و علان من الزقاق الذي فيه الصنم المعروف بسرية فرعون، و هذا الزقاق أوّله باب السوق الكبير، و اختطت أيضا بجولان، ثم انفردت و علان بخططها مقابل المسجد المعروف: بالدينوريّ، و أسندت إلى خولان، و هذه الخطة اليوم: كيمان تطلّ على قبر القاضي بكار. خطة يحصب: بن مالك بن أسلم بن زيد بن غوث، و هذه الخطة موضعها: كيمان، و هي تتصل بالشرف الذي يعرف اليوم: بالرصد المطلّ على راشدة. خطة رعين: بن زيد بن سهل.

خطة ذي الكلاع: بن شرحبيل بن سعد من حمير. خطة المغافر: بن يعفر بن مرّة بن أدد، و هذه الخطة من الرصد إلى قاية بن طولون، و هي القناطر التي تطلّ على عفصة، و تفصل بين القرافتين و القناطر للمغافر، و لهم إلى مصلى خولان، و إلى الكوم المشرف على المصلى. خطة سبا و خطة الرحبة: بن زرعة بن كعب. خطة السلف بن سعد: فيما بين الكوم المطلّ على القاضي بكار، و بين المغافر. خطة بني وائل: بن زيد مناة بن أفصى بن إياس بن حرام بن جذام بن عديّ، و هي من سفح الشرف المعروف بالرصد إلى خطة الجولان. خطة القبض: بالتحريك، بن مرثد، و هي بجانب خطة بني وائل إلى نحو بركة الحبش، قال: و كان سبب نزول بني وائل، و القبض و رية و راشدة و الفارسيين هذه المواضع أنهم كانوا في طوالع عمرو بن العاص، فنزلوا في مقدّمة الناس، و حازوا هذه المواضع قبل الفتح. خطط الحمراوات الثلاث: قال الكنديّ: و كانت الحمراء على ثلاثة: بنو نبه و روبيل‏(صفحه 89)

و الأزرق، و كانوا ممن سار مع عمرو بن العاص من الشام إلى مصر من عجم الشأم ممن كان رغب في الإسلام من قبل اليرموك، و من أهل قيسارية و غيرهم. قال القضاعيّ: و إنما قيل الحمراء لنزول الروم بها، و هط خطط بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة و فهم و عدوان، و بعض الأزد و هم ثراد، و بني بحر، و بني سلامان و يشكر بن لخم و هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر و بني نبه، و بني الأزرق، و هم من الروم، و بني روبيل، و كان يهوديا، فأسلم. فأوّل ذلك الحمراء الدنيا خطة بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، و منها خطة ثراد من الأزد، و خطة فهم بن عمرو بن قيس عيلان، و منها خطة بني بحر بن سوادة من الأزد.

و من ذلك الحمراء الوسطى: منها خطة بني نبه، و هم قوم من الروم حضر الفتح منهم مائة رجل، و منها خطة هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، و منها خطة بني سلامان من الأزد، و منها خطة عدوان. و من ذلك الحمراء القصوى، و هي خطة بني الأزرق، و كان روميا حضر الفتح منهم أربعمائة، و خطة بني روبيل، و كان يهوديا فأسلم، و حضر الفتح منهم ألف رجل، و خطة بني يشكر بن جزيلة بن لخم و كانت منازل يشكر مفرّقة في الجبل، فدثرت قديما، و عادت صحراء حتى جاءت المسودّة، يعني جيوش بني العباس، فعمروها، و هي الآن خراب. و قال ابن المتوّج: الحمراوات ثلاث: أولى، و وسطى، و قصوى. فأمّا الأولى: فتجمع جابر الأور، و عقبة العدّاسين، و سوق وردان، و خطة الزبير إلى نقاشي البلاط طولا و عرضا على قدر ذلك، و أمّا الوسطى: فمن درب نقاشي البلاط إلى درب معاني طولا و عرضا على قدره، و أمّا القصوى فمن درب معاني إلى القناطر الظاهرية يعني قناطر السباع، و هي حدّ ولاية مصر من القاهرة، و كانت هذه الحمراوات جلّ عمارة مصر في زمن الروم، فإذا الحمراء الأولى و الوسطى هما الآن خراب، و موضعهما فيما بين سوق المعاريج، و حمام طن من شرقيهما إلى ما يقابل المراغة في الشرق، و أما الحمراء الدنيا فهي الآن تعرف بخط قناطر السباع، و بخط السبع سقايات، و بحكر الخليليّ، و حكر أقبغا و الكوم، حيث الأسرى و منها أيضا خط الكبش، و خط الجامع الطولونيّ و العسكر، و منها حدرة ابن قميحة إلى حيث قنطرة السدّ، و بستان الطواشي، و ما في شرقيه إلى مشهد الرأس المعروف بزين العابدين، و سيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى عند ذكر العسكر، و كانت مدينة الفسطاط على قسمين هما: عمل فوق، و عمل أسفل.

فعمل فوق له طرفان غربيّ و شرقيّ، فالغربيّ من شاطى‏ء النيل في الجهة القبلية، و أنت مار في الشرف المعروف اليوم بالرصد إلى القرافة الكبرى، و الشرقيّ من القرافة الكبرى إلى العسكر، و عمل أسفل ما عدا ذلك إلى حدّ القاهرة.(صفحه 90)


ذكر أمراء الفسطاط من حين فتحت مصر إلى أن بني العسكر


اعلم: أنّ عدّة من ولي مصر من الأمراء في الإسلام منذ فتحت، و سكن الفسطاط إلى أن بني العسكر تسعة و عشرون أميرا في مدّة مائة و ثلاث عشرة سنة و سبعة أشهر، أوّلها يوم الجمعة مستهل المحرّم سنة عشرين من الهجرة النبوية، و هو يوم فتح مصر، و آخرها سلخ شهر رجب سنة ثلاث و مائة آخر ولاية صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس على مصر، و أوّل ولاية أبي عون عبد الملك، و هو أوّل من سكن العسكر من أمراء مصر. و أوّل أمراء الفسطاط بعد الفتح على ما ذكر الكنديّ و غيره: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك: أبو عبد اللّه، كان تاجرا في الجاهلية، و كان يختلف بتجارته إلى مصر، و هي الأدم و العطر، ثم ضرب الدهر ضرباته حتى فتح المسلمون الشأم، فخلا بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فاستأذنه في المسير إلى مصر، فسار في سنة تسع عشرة، و أتى الحصن، فحاصره سبعة أشهر إلى أن فتحه في يوم الجمعة مستهل المحرّم سنة عشرين، و قيل: كان فتح مصر في ثاني عشر بؤنة سنة سبع و خمسين و ثلثمائة لدقلطيانوس، فعلى هذا يكون فتح مصر في سنة تسع عشرة من الهجرة، و تحرير ذلك أن الذي بين يوم الجمعة أوّل يوم من ملك دقلطيانوس، و بين يوم الخميس أوّل سنة الهجرة ثمان و ثلاثون و ثلثمائة سنة فارسية، و تسعة و ثلاثون يوما، فإذا ألغينا ذلك من تاريخ مصر في ثاني عشر بؤنة سنة سبع و خمسين و ثلثمائة بقي ثمان عشر سنة، و ثمانية أشهر و ثلاثة أيام، و هذه سنون شمسية عنها من سني القمر تسع عشر سنة و شهر و ثلاثة عشر يوما، فيكون ذلك في ثالث عشر ربيع الأوّل سنة عشرين، فلعل الوهم وقع في الشهر القبطيّ، و حاز الحصن بما فيه، و سار إلى الإسكندرية في ربيع الأوّل منها، فحاصرها ثلاثة أشهر، ثم فتحها عنوة، و هو الفتح الأوّل، و يقال: بل فتحها مستهل سنة إحدى و عشرين، ثم سار عنها إلى برقة، فافتتحها عنوة في سنة اثنتين و عشرين، و قيل: في سنة ثلاث و عشرين، و قدم على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قدمتين استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدريّ، و في الثانية ابنه عبد اللّه، و توفي عمر رضي اللّه عنه في ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين، و بويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فوفد عليه عمرو، و سأله عزل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح عن صعيد مصر، و كان عمر ولاه الصعيد، فامتنع من ذلك عثمان، و عقد لعبد اللّه بن سعد على مصر كلها، فكانت ولاية عمرو على مصر: صلاتها و خراجها، منذ افتتحها إلى أن صرف عنها أربع سنين و أشهرا.(صفحه 91)

عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، و اسمه الحسام بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، ولي من قبل أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه، فجاءه الكتاب بالفيوم، فجعل لأهل أطواف جعلا فقدموا به الفسطاط، ثم إن منويل الخصيّ سار إلى الإسكندرية في سنة أربع و عشرين، فسأل أهل مصر: عثمان أن يردّ عمرو بن العاص لمحاربته، فردّه واليا على الإسكندرية، فحارب الروم بها حتى افتتحها، و عبد اللّه بن سعد مقيم بالفسطاط، حتى فتحت الإسكندرية الفتح الثاني عنوة في سنة خمس و عشرين، ثم جمع لعبد اللّه بن سعد أمير مصر صلاتها و خراجها، و مكث أميرا مدّة ولاية عثمان رضي اللّه عنه كلها، محمودا في ولايته، و غزا ثلاث غزوات كلها لها شأن، غزا إفريقية سنة سبع و عشرين، و قتل ملكها جرجير، و غزا غزوة الأساود حتى بلغ دنقلة في سنة إحدى و ثلاثين، و غزا ذا الصواري في سنة أربع و ثلاثين، فلقيهم قسطنطين بن هرقل في ألف مركب، و قيل: في سبعمائة مركب و المسلمون في مائتي مركب، فهزم اللّه الروم، و إنما سميت غزوة ذي الصواري لكثرة صواري المراكب، و اجتماعها، و وفد على عثمان حين تكلم الناس بالطعن على عثمان، و استخلف عقبة بن عامر الجهنيّ، و قيل: السائب بن هشام العامريّ، و جعل على خراجها سليمان بن عتر التجيبي، و كان ذلك سنة خمس و ثلاثين في رجب.

محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. أمّر في شوال سنة خمس و ثلاثين على عقبة بن عامر خليفة عبد اللّه بن سعد، فأخرجه من الفسطاط، و دعا إلى خلع عثمان، و أسعر البلاد، و حرّض على عثمان بكل شرّ يقدر عليه، فاعتزله شيعة عثمان، و نابذوه، و هم: معاوية بن خديج، و خارجة بن حذافة، و بسر بن أرطأة، و مسلمة بن مخلد في جمع كثير، و بعثوا إلى عثمان بأمرهم، و بصنيع ابن أبي حذيفة، فبعث سعد بن أبي وقاص: ليصلح أمرهم، فخرج إليه جماعة، فقلبوا عليه فسطاطه، و شجوه و سبوه، فركب و عاد راجعا، و دعا عليهم، و أقبل عبد اللّه بن سعد، فمنعوه أن يدخل، فانصرف إلى عسقلان، و قتل عثمان رضي اللّه عنه، و ابن سعد بعسقلان، ثم أجمع ابن أبي حذيفة على بعث جيش إلى عثمان، فجهز إليه ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن بن عديس البلويّ، ثم قتل عثمان في ذي الحجة منها، فثار شيعة عثمان بمصر، و عقدوا لمعاوية بن خديج‏، و بايعوه على الطلب بدم عثمان، و ساروا إلى الصعيد، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة خيلا، فهزمت، و مضى ابن خديج إلى برقة، ثم رجع إلى الإسكندرية، فبعث(صفحه 92)‏


إليه ابن أبي حذيفة بجيش آخر فاقتتلوا بخربتا في أوّل شهر رمضان سنة ست و ثلاثين، فانهزم الجيش، و أقامت شيعة عثمان بخربتا. و قدم معاوية بن أبي سفيان يريد الفسطاط، فنزلت سلمنت‏ في شوّال، فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر، فمنعوه ثم اتفقا على أن يجعلا رهنا، و يتركا الحرب، فاستخلف ابن أبي حذيفة على مصر: الحكم بن الصلت، و خرج في الرهن هو و ابن عديس، و عدّة من قتلة عثمان، فلما بلغوا لدّا سجنهم معاوية بها، و سار إلى دمشق، فهربوا من السجن، و تبعهم أمير فلسطين، فقتلهم في ذي الحجة سنة ست و ثلاثين.

قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري: ولاه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، لما بلغه مصاب ابن أبي حذيفة، و جمع له الخراج و الصلاة، فدخل مصر مستهل ربيع الأوّل سنة سبع و ثلاثين، فاستمال الخارجية بخربتا شيعة عثمان، و بعث إليهم أعطياتهم، و وفد عليهم وفدهم، فأكرمهم، و كان من ذوي الرأي، فجهد عمرو بن العاص، و معاوية بن أبي سفيان على أن يخرجاه من مصر ليغلبا على أمرها، فإنها كانت من جيش عليّ رضي اللّه عنه، فامتنع منهما بالدهاء و المكايدة، فلم يقدرا على مصر، حتى كاد معاوية قيسا من قبل عليّ رضي اللّه عنه، فأشاع أن قيسا من شيعته، و أنه يبعث إليه بالكتب و النصيحة سرّا، فسمع ذلك جواسيس عليّ رضي اللّه عنه، و ما زال به محمد بن أبي بكر، و عبد اللّه بن جعفر، حتى كتب إلى قيس بن سعد يأمره بالقدوم إليه، فوليها إلى أن عزل أربعة أشهر و خمسة أيام، و صرف لخمس خلون من رجب سنة سبع و ثلاثين، فوليها: الأشتر مالك بن الحارث بن خالد النخعيّ من قبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فلما قدم القلزم شرب عسلا فمات، فبلغ ذلك عمرا و معاوية، فقال عمرو: إن للّه جنودا من عسل.

ثم وليها: محمد بن أبي بكر الصدّيق من قبل عليّ رضي اللّه عنه، و جمع له صلاتها و خراجها، فدخلها للنصف من رمضان سنة سبع و ثلاثين، فهدم دور شيعة عثمان، و نهب أموالهم و سجن ذراريهم، فنصبوا له الحرب، ثم صالحهم على أن يسيرهم إلى معاوية، فلحقوا بمعاوية بالشام، فبعث معاوية عمرو بن العاص في جيوش أهل الشام إلى الفسطاط و تغيب ابن أبي بكر، فظفر به معاوية بن خديج فقتله، ثم جعله في جيفة(صفحه 93)


حمار ميت، و أحرقه بالنار لأربع عشرة خلت من صفر سنة ثمان و ثلاثين، فكانت ولايته خمسة أشهر. ثم وليها: عمرو بن العاص: ولايته الثانية من قبل معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه، فاستقبل بولايته شهر ربيع الأوّل سنة ثمان و ثلاثين، و جعل إليه الصلاة و الخراج جميعا، و جعلت مصر له طعمة بعد عطاء جندها، و النفقة في مصلحتها، ثم خرج عمرو للحكومة، و استخلف على مصر ابنه عبد اللّه، و قيل: بل خارجة بن حذافة، و رجع إلى مصر، و تعاقد بنو لخم عبد الرحمن و قيس و يزيد على قتل عليّ و معاوية و عمرو، و تواعدوا ليلة من رمضان سنة أربعين، فمضى كل منهم إلى صاحبه، و كان يزيد هو صاحب عمرو، فعرضت لعمرو علة منعته من حضور المسجد، فصلى خارجة بالناس، فشدّ عليه يزيد فضربه، حتى قتله، فدخل به على عمرو، فقال: أما و اللّه ما أردت غيرك يا عمرو، قال عمرو: و لكن اللّه أراد خارجة، و للّه در القائل:

وليتها إذ فدت عمرا بخارجة فدت عليا بمن شاءت من البشر


و عقد عمرو لشريك بن سميّ على غزو لواتة من البربر، فغزاهم في سنة أربعين، و صالحهم ثم انتقضوا، فبعث إليهم عقبة بن نافع في سنة إحدى و أربعين، فغزاهم حتى هزمهم، و عقد لعقبة أيضا على غزوة هوّارة، و عقد لشريك بن سميّ: على غزوة لبدة، فغزواهما في سنة ثلاث و أربعين، فقفلا، و عمرو شديد الدنف‏ في مرض موته، و توفي ليلة الفطر، فغسله عبد اللّه بن عمرو، و أخرجه إلى المصلى و صلى عليه، فلم يبق أحد شهد العيد إلّا صلى عليه، ثم صلى بالناس صلاة العيد، و كان أبوه استخلفه، و خلف عمرو بن العاص سبعين بهارا دنانير، و البهار: جلد ثور، و مبلغه أردبان بالمصريّ، فلما حضرته الوفاة أخرجه، و قال: من يأخذه بما فيه، فأبى ولده أخذه، و قالا: حتى تردّ إلى كل ذي حق حقه، فقال: و اللّه ما أجمع بين اثنين منهم، فبلغ معاوية، فقال: نحن نأخذه بما فيه.

ثم وليها: عتبة بن أبي سفيان من قبل أخيه معاوية بن أبي سفيان على صلاتها، فقدم في ذي القعدة سنة ثلاث و أربعين، و أقام شهرا، ثم وفد على أخيه، و استخلف عبد اللّه بن قيس بن الحارث، و كان فيه شدّة، فكره الناس ولايته، و امتنعوا منها، فبلغ ذلك عتبة، فرجع إلى مصر، و صعد المنبر فقال: يا أهل مصر قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم، و قد وليكم من إذا قال فعل، فإن أبيتم درأكم بيده، فإن أبيتم درأكم بسيفه، ثم رجا في الأمير ما أدرك في الأوّل أن البيعة شائعة لنا عليكم السمع، و لكم علينا العدل،(صفحه 94)


و أينا غدر، فلا ذمّة له عند صاحبه، فناداه المصريون من جنبات المسجد سمعا سمعا فناداهم عدلا عدلا، ثم نزل ثم جمع له معاوية الصلات و الخراج، و عقد عتبة لعلقمة بن زيد على الإسكندرية في اثني عشر ألفا من أهل الديوان تكون لها رابطة، ثم خرج إليها مرابطا في ذي الحجة سنة أربع و أربعين، فمات بها و استخلف على مصر عقبة بن عامر الجهنيّ، فكانت ولايته ستة أشهر.

ثم وليها: عقبة بن عامر بن عبس الجهنيّ من قبل معاوية، و جعل له صلاتها و خراجها، و كان قارئا فقيها مفرضا شاعرا، له الهجرة و الصحبة و السابقة، ثم وفد مسلمة بن محمد الأنصاريّ على معاوية، فولاه مصر، و أمره أن يكتم ذلك عن عقبة بن عامر، و جعل عقبة على البحر، و أمره أن يسير إلى رودس، فقدم مسلمة، فلم يعلم بإمارته، و خرج مع عقبة إلى الإسكندرية، فلما توجه سائرا استوى مسلمة على سرير إمارته، فبلغ ذلك عقبة فقال: أخلعا و غربة، و كان صرفه لعشر بقين من ربيع الأوّل سنة سبع و أربعين، و كانت ولايته سنتين و ثلاثة أشهر.

فولي مسلمة بن مخلد بن صامت بن نيار الأنصاريّ من قبل معاوية، و جمع له الصلات و الخراج و الغزو، فانتظمت غزواته في البر و البحر، و في إمارته نزلت الروم البرلس‏ في سنة ثلاث و خمسين، فاستشهد يومئذ: وردان مولى عمرو بن العاص في جمع من المسلمين، و هدم ما كان عمرو بن العاص بناه من المسجد، و بناه و أمر بابتناء منارات المساجد كلها إلا خولان و تجيب، و خرج إلى الإسكندرية في سنة ستين، و استخلف عابس بن سعيد، و مات معاوية بن أبي سفيان في رجب منها، و استخلف ابنه يزيد بن معاوية، فأقرّ مسلمة، و كتب إليه بأخذ البيعة، فبايعه الجند إلّا عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فدعا عابس بالنار ليحرق عليه بابه! فحينئذ بايع ليزيد، و قدم مسلمة من الإسكندرية، فجمع لعابس مع الشرط القضاء في سنة إحدى و ستين، و قال مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ سورة البقرة، فما ترك ألفا و لا واوا، و قال ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد: كان مسلمة بن مخلد يصلي بنا، فيقوم في الظهر، فربما قرأ الرجل البقرة، و توفي مسلمة، و هو وال لخمس بقين من رجب سنة اثنتين و ستين، فكانت ولايته خمس عشرة سنة و أربعة أشهر، و استخلف عابس بن سعيد. ثم وليها سعيد بن يزيد بن علقمة بن يزيد بن عوف الأزدي من أهل فلسطين، فقدم(صفحه 95)‏

مستهلّ رمضان سنة اثنتين و ستين فتلقاه عمرو بن قحزم الخولانيّ، فقال: يغفر اللّه لأمير المؤمنين أما كان فينا مائة شاب كلهم مثلك، يولي علينا أحدهم، و لم تزل أهل مصر على الشنآن له، و الإعراض عنه، و التكبر عليه حتى توفي يزيد بن معاوية، و دعا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه إلى نفسه، فقامت الخوارج الذين بمصر، و أظهروا دعوته، و سار منهم إليه، فبعث لعبد الرحمن بن جحدم، فقدم و اعتزل سعيدا، فكانت ولايته سنتين غير شهر.

ثم وليها: عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم من قبل عبد اللّه بن الزبير، فدخل في شعبان سنة أربع و ستين في جمع كثير من الخوارج، فأظهروا التحكيم، و دعوا إليه، فاستعظم الجند ذلك، و بايعه الناس على غل في قلوب شيعة بني أمية، ثم بويع مروان بن الحكم بالخلافة في أهل الشام، و أهل مصر معه في الباطن، فسار إليها، و بعث ابنه عبد العزيز في جيش إلى أيلة ليدخل مصر من هناك، و أجمع ابن جحدم على حربه، و حفر الخندق في شهر، و هو الذي في شرقيّ القرافة، و قدم مروان، فحاربه ابن جحدم، و قتل بينهما كثير من الناس ثم اصطلحا، و دخل مروان لعشر من جمادى الأولى سنة خمس و ستين، فكانت مدّة ابن جحدم تسعة أشهر، و وضع مروان العطاء، فبايعه الناس إلّا نفرا من المغافر قالوا: لا نخلع بيعة ابن الزبير، فضرب أعناقهم، و كانوا ثمانين رجلا، و ذلك للنصف من جمادى الآخرة، يومئذ مات عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فلم يستطع أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان، و جعل مروان صلات مصر، و خراجها إلى ابنه عبد العزيز، و سار و قد أقام بها شهرين لهلال رمضان.

عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو الأصبغ ولي من قبل أبيه لهلال رجب سنة خمس و ستين على الصلات و الخراج، و مات أبوه، و بويع من بعده عبد الملك بن مروان، فأقرّ أخاه عبد العزيز، و وقع الطاعون بمصر سنة سبعين، فخرج عبد العزيز منها، و نزل حلوان، فاتخذها دارا و سكنها، و جعل بها الأعوان، و بنى بها الدور و المساجد، و عمرها أحسن عمارة، و غرس نخلها و كرمها، و عرّف بمصر، و هو أول من عرّف بها في سنة إحدى و سبعين، و جهز البعث في البحر لقتال ابن الزبير في سنة اثنتين و سبعين، ثم مات لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ست و ثمانين، فكانت ولايته عشرين سنة، و عشرة أشهر و ثلاثة عشر يوما.

فولي: عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان من قبل أبيه على صلاتها و خراجها، فدخل يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ست و ثمانين، و هو ابن تسع و عشرين سنة، و قد تقدّم إليه أبوه أن يقتفي آثار عمه عبد العزيز، فاستبدل بالعمال و بالأصحاب، و مات عبد الملك، بويع ابنه الوليد بن عبد الملك، فأقرّ أخاه عبد اللّه، و أمر عبد اللّه، فنسخت دواوين مصر بالعربية، و كانت بالقبطية، و في ولايته غلت الأسعار،(صفحه 96)

فتشاءم الناس به، و هي أوّل شدّة رأوها بمصر، و كان يرتشي، ثم وفد على أخيه في صفر سنة ثمان و ثمانين، و استخلف عبد الرحمن بن عمرو بن قحزم الخولانيّ، و أهل مصر في شدّة عظيمة، و رفع سقف المسجد الجامع في سنة تسع و ثمانين، ثم صرف، فكانت ولايته ثلاث سنين و عشرة أشهر. فولي: قرّة بن شريك‏ بن مرثد بن الحرث العبسيّ للوليد بن عبد الملك على صلات مصر و خراجها، فقدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوّل سنة تسعين، و خرج عبد اللّه بن عبد الملك من مصر بكل ما ملكه، فأحيط به في الأردن، و أخذ سائر ما معه، و حمل إلى أخيه، و أمر الوليد بهدم ما بناه عبد العزيز في المسجد، فهدم أوّل سنة اثنتين و تسعين، و بنى و استنبط قرّة بن شريك: بركة الحبش من الموات و أحياها، و غرس فيها القصب، فقيل لها: اصطبل قرّة، و اصطبل القاش، ثم مات و هو وال ليلة الخميس لست بقين من ربيع الأوّل سنة ست و تسعين، و استخلف على الجند و الخراج عبد الملك بن رفاعة، فكانت ولايته ست سنين و أياما.

ثم ولي: عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهميّ: من قبل الوليد بن عبد الملك على صلاتها، و توفي الوليد، و استخلف سليمان بن عبد الملك، فأقرّ ابن رفاعة، و توفي سليمان، و بويع عمر بن عبد العزيز، فعزل ابن رفاعة، فكانت ولايته ثلاث سنين. ثم ولي: أيوب بن شرحبيل‏ بن أكسوم بن أبرهة بن الصباح، من قبل عمر بن عبد العزيز على صلاتها في ربيع الأوّل سنة تسع و تسعين، فورد كتاب أمير المؤمنين: عمر بن عبد العزيز بالزيادة في أعطيات الناس عامّة، و خمرت الخمر، و كسرت و عطلت حاناتها، و قسم للغارمين بخمسة و عشرين ألف دينار، و نزعت مواريث القبط عن الكور، و استعمل المسلمون عليها، و منع الناس الحمامات، و توفي عمر بن عبد العزيز، و استخلف يزيد بن عبد الملك، فأقرّ أيوب على الصلات إلى أن مات لإحدى عشرة، و قيل: لسبع عشرة خلت من رمضان سنة إحدى و مائة، فكانت ولايته سنتين و نصفا. فولي: بشر بن صفوان‏ الكلبيّ: من قبل يزيد بن عبد الملك قدمها لسبع عشرة خلت من رمضان سنة إحدى و مائة، و في إمرته نزل الروم تنيس، ثم ولاه يزيد على إفريقية،(صفحه 97)

فخرج إليها في شوّال سنة اثنتين و مائة، و استخلف أخاه حنظلة. فولي: حنظلة بن صفوان باستخلاف أخيه، فأقرّه يزيد بن عبد الملك، و خرج إلى الإسكندرية في سنة ثلاث و مائة، و استخلف عقبة بن مسلمة التجيبيّ، و كتب يزيد بن عبد الملك في سنة أربع و مائة بكسر الأصنام و التماثيل، فكسرت كلها، و محيت التماثيل، و مات يزيد بن عبد الملك، و بويع هشام بن عبد الملك، فصرف حنظلة في شوّال سنة خمس و مائة، فكانت ولايته ثلاث سنين.

و ولي: محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم من قبل أخيه هشام بن عبد الملك على الصلات، فدخل مصر لإحدى عشرة خلت من شوّال سنة خمس و مائة، و وقع و باء شديد بمصر، فترفع محمد إلى الصعيد هاربا من الوباء أياما، ثم قدم و خرج عن مصر لم يلها إلّا نحوا من شهر، و انصرف إلى الأردن. فولي: الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم من قبل هشام بن عبد الملك على صلاتها، فدخل لثلاث خلون من ذي الحجة سنة خمس و مائة، و في إمرته كان أوّل انتفاض القبط في سنة سبع و مائة، و رابط بدمياط ثلاثة أشهر، ثم وفد إلى هشام بن عبد الملك، فاستخلف حفص بن الوليد، و قدم في ذي القعدة من سنة سبع، و انكشف النيل عن الأرض فبنى فيها، و صرف في ذي القعدة سنة ثمان و مائة، باستعفائه لمغاضبة كانت بينه و بين عبد اللّه بن الحبحاب متولي خراج مصر، فكانت ولايته ثلاث سنين سواء.

و ولي: حفص بن الوليد بن سيف بن عبد اللّه من قبل هشام بن عبد الملك، ثم صرف بعد جمعتين يوم الأضحى بشكوى ابن الحبحاب منه، و قيل: صرف سلخ ثمان و مائة. فولي: عبد الملك بن رفاعة ثانيا على الصلات، فقدم من الشام عليلا لثنتي عشرة بقيت من المحرّم سنة تسع و مائة، و كان أخوه الوليد يخلفه من أوّل المحرّم، و قيل: بل ولي أوّل المحرّم، و مات للنصف منه، و كانت ولايته خمس عشرة ليلة.

ثم ولي أخوه: الوليد بن رفاعة باستخلاف أخيه، فأقرّه هشام بن عبد الملك على الصلات، و في ولايته نقلت قيس إلى مصر، و لم يكن بها أحد منهم، و خرج وهيب اليحصبيّ شاردا في سنة سبع عشرة و مائة من أجل أنّ الوليد أذن للنصارى في ابتناء كنيسة يوحنا بالحمراء، و توفي و هو وال أوّل جمادى الآخرة سنة سبع عشرة، و استخلف عبد الرحمن بن خالد، فكانت إمرته تسع سنين و خمسة أشهر.(صفحه 98)

فولي: عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهميّ أبو الوليد من قبل هشام بن عبد الملك على صلاتها، و في إمرته نزل الروم على تروجة، فحاصروها، ثم اقتتلوا فأسروا، فصرفه هشام، فكانت ولايته سبعة أشهر. و ولي: حنظلة بن صفوان ثانيا فقدم لخمس خلون من المحرّم سنة تسع و مائة، فانتفض القبط، و حاربهم في سنة إحدى و عشرين و مائة، و قدم رأس زيد بن عليّ إلى مصر في سنة اثنتين و عشرين و مائة، ثم ولاه هشام إفريقية، فاستخلف حفص بن الوليد بإمرة هشام، و خرج لسبع خلون من ربيع الآخر سنة أربع و عشرين و مائة، فكانت ولايته هذه خمس سنين و ثلاثة أشهر.

و ولي: حفص بن الوليد الحضرميّ ثانيا باستخلاف حنظلة له على صلاتها، فأقرّه هشام بن عبد الملك إلى ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة أربع و عشرين، فجمع له الصلات و الخراج جميعا، و استسقى بالناس، و خطب و دعا، ثم صلى بهم، و مات هشام بن عبد الملك، و استخلف من بعده: الوليد بن يزيد، فأقرّ حفصا على الصلات و الخراج، ثم صرف عن الخراج بعيسى بن أبي عطاء لسبع بقين من شوّال سنة خمس و عشرين و مائة، و انفرد بالصلات، و وفد على الوليد بن يزيد، و استخلف عقبة بن نعيم الرعيني، و قتل الوليد بن يزيد، و حفص بالشام، و بويع يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فأمر حفصا باللحاق بجنده، و أمّره على ثلاثين ألفا و فرض الفروض، و بعث بيعة أهل مصر إلى يزيد بن الوليد، ثم توفي يزيد و بويع إبراهيم بن الوليد، و خلعه مروان بن محمد الجعدي، فكتب حفص يستعفيه من ولاية مصر، فأعفاه مروان، فكانت ولاية حفص هذه ثلاث سنين إلا شهرا.

و ولي: حسان بن عتاهية بن عبد الرحمن التجيبيّ و هو بالشام، فكتب إلى خير بن نعيم باستخلافه، فسلم حفص إلى خير، ثم قدم حسان لثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع و عشرين و مائة على الصلات، و عيسى بن أبي عطاء على الخراج، فأسقط حسان فروض حفص كلها، فوثبوا به، و قالوا: لا نرضى إلّا بحفص، و ركبوا إلى المسجد، و دعوا إلى خلع مروان و حصروا حسان في داره، و قال له: اخرج عنا، فإنك لا تقيم معنا ببلد، و أخرجوا عيسى بن أبي عطاء صاحب الخراج، و ذلك في آخر جمادى الآخرة، و أقاموا حفصا، فكانت ولاية حسان ستة عشر يوما. فولي: حفص بن الوليد الثالثة: كرها أخذه قوّاد الفروض بذلك، فأقام على مصر رجب و شعبان، و لحق حسان بمروان، و قدم حنظلة بن صفوان من إفريقية، و قد أخرجه(صفحه 99)‏

أهلها فنزل الجيزة، و كتب مروان بولايته على مصر، فامتنع المصريون من ولاية حنظلة، و أظهروا الخلع، و أخرجوا حنظلة إلى الحوف الشرقيّ، و منعوه من المقام بالفسطاط، و هرب ثابت بن نعيم من فلسطين يريد الفسطاط، فحاربوه و هزموه، و سكت مروان عن مصر بقية سنة سبع و عشرين و مائة، ثم عزل حفصا مستهل سنة ثمان و عشرين.

و ولي: الحوثرة بن سهيل‏ بن العجلان الباهليّ: فسار إليها في آلاف، و قدم أوّل المحرّم، و قد اجتمع الجند على منعه، فأبى عليهم حفص، فخافوا حوثرة، و سألوه الأمان، فأمّنهم، و نزل ظاهر الفسطاط، و قد اطمأنوا إليه فخرج إليه حفص، و وجوه الجند، فقبض عليهم، و قيدهم، فانهزم الجند و دخل معه عيسى بن أبي عطاء على الخراج لثنتي عشرة خلت من المحرّم، و بعث في طلب رؤساء الفتنة، فجمعوا له و ضرب أعناقهم، و قتل حفص بن الوليد، ثم صرف في جمادى الأولى سنة إحدى و ثلاثين و مائة، و بعثه مروان إلى العراق فقتل، و استخلف على مصر حسان بن عتاهية، و قيل: أبا الجرّاح بشر بن أوس، و خرج لعشر خلون من رجب، و كانت ولايته ثلاث سنين و ستة أشهر.

ثم ولي: المغيرة بن عبيد اللّه بن المغيرة الفزاريّ على الصلاة من قبل مروان، فقدم لست بقين من رجب سنة إحدى و ثلاثين، و خرج إلى الإسكندرية، و استخلف أبا الجرّاح الحرشي، و توفي لثنتي عشرة خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، فكانت ولايته عشرة أشهر، و استخلف ابنه الوليد بن المغيرة، ثم صرف الوليد في النصف من جمادى الآخرة.

و ولى: عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير من قبل مرون على الصلات و الخراج، و كان واليا على الخراج قبل أن يولي الصلات في جمادى الآخرة سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، فأمر باتخاذ المنابر في الكور، و لم تكن قبله، و إنما كانت ولاة الكور يخطبون على العصيّ إلى جانب القبلة، و خرج القبط فحاربهم، و قتل كثيرا منهم، و خالف عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان على مروان، و اجتمع عليه جمع من قيس في الحوف الشرقيّ، فبعث إليهم عبد الملك بجيش، فلم يكن حرب، و سار مروان بن محمد إلى مصر منهزما من بني العباس، فقدم يوم الثلاثاء لثمان بقين من شوّال سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و قد سوّد أهل الحوف الشرقيّ، و أهل الإسكندرية، و أهل الصعيد و أسوان، فعزم مروان على تعديه النيل، و أحرق دار آل مروان المذهبة، ثم رحل إلى الجيزة، و خرق الجسرين، و بعث بجيش إلى الإسكندرية، فاقتتلوا بالكريون‏، و خالفت القبط برشيد،(صفحه 100)


فبعث إليهم و هزمهم، و بعث إلى الصعيد، فقدم صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس في طلب مروان هو و أبو عون عبد الملك بن يزيد يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، فأدرك صالح مروان ببوصير من الجيزة بعد ما استخلف على الفسطاط معاوية بن بحيرة بن ريسان، فحارب مروان حتى قتل ببوصير يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة، و دخل صالح إلى الفسطاط يوم الأحد لثمان خلون من المحرّم سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، و بعث برأس مروان إلى العراق، و انقضت أيام بني أمية.

فولي: صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، ولي من قبل أمير المؤمنين أبي العباس عبد اللّه بن محمد السفاح، فاستقبل بولايته المحرّم سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، و بعث بوفد أهل مصر إلى أبي العباس السفاح ببيعة أهل مصر، و أسر عبد الملك بن موسى بن نصير و جماعة، و قتل كثيرا من شيعة بني أمية، و حمل طائفة منهم إلى العراق، فقتلوا بقلنسوة من أرض فلسطين، و أمر للناس بأعطياتهم للمقاتلة و العيال، و قسمت الصدقات على اليتامى و المساكين، و زاد صالح في المسجد، و ورد عليه كتاب أمير المؤمنين السفاح، بإمارته على فلسطين و الاستخلاف على مصر، فاستخلف أبا عون مستهلّ شعبان سنة ثلاث و ثلاثين، و سار و معه عبد الملك بن نصير ملزما، و عدّة من أهل مصر صحابة لأمير المؤمنين، و أقطع الذين سوّدوا قطائع منها: منية بولاق، و قرى إهناس، و غيرها ثم من بعد صالح بن عليّ. سكن أمراء مصر العسكر، و أوّل من سكنه أبو عون، و اللّه تعالى أعلم.


ذكر العسكر الذي بني بظاهر مدينة فسطاط مصر

اعلم: أن موضع العسكر قد كان يعرف في صدر الإسلام بالحمراء القصوى، و قد تقدّم أن الحمراء القصوى كانت خطة بني الأزرق، و بني روبيل، و بني يشكر بن جزيلة، ثم دثرت هذه الخطط بعد العمارة بتلك القبائل، حتى صارت صحراء، فلما قدم مروان بن محدم آخر خلفاء بني أمية إلى مصر منهزما من بني العباس نزلت عساكر صالح بن عليّ، و أبي عون عبد الملك بن يزيد في هذه الصحراء، حيث جبل يشكر حتى ملؤوا الفضاء، و أمر أبو عون أصحابه بالبناء فيه، فبنوا و ذلك في سنة ثلاث و ثلاثين و مائة.

فلما خرج صالح بن عليّ من مصر خرب أكثر ما بنى فيه إلى زمن موسى بن عيسى الهاشميّ فابتنى فيه دارا أنزل فيها حشمة و عبيده، و عمر الناس، ثم ولي: السريّ بن الحكم، فأذن للناس في البناء، فابتنوا فيه و صار مملوكا بأيديهم، و اتصل بناؤه ببناء الفسطاط، و بنيت فيه دار الإمارة، و مسجد جامع عرف بجامع العسكر، ثم عرف بجامع ساحل الغلة، و عملت‏(صفحه 101)

الشرطة أيضا في العسكر، و قيل لها: الشرطة العليا، و إلى جانبها بنى أحمد بن طولون جامعه الموجود الآن، و سمي من حينئذ ذلك الفضاء بالعسكر، و صار أمراء مصر إذا ولوا ينزلون به من بعد أبي عون، فقال الناس من يومئذ: كنا بالعسكر، و خرجنا إلى العسكر، و كتب من العسكر، و صار مدينة ذات محال، و أسواق و دور عظيمة، و فيه بنى أحمد بن طولون مارستانه‏، فأنفق عليه، و على مستغله ستين ألف دينار، و كان بالقرب من بركة قارون التي صارت كيمانا، و بعضها بركة على يسرة من سار من حدرة ابن قميحة يريد قنطرة السدّ، و على بركة قارون هذه كانت جنان بني مسكين، و بني كافور الإخشيدي دارا أنفق عليها مائة ألف دينار، و سكنها في رجب سنة ست و أربعين و ثلثمائة، و انتقل منها بعد أيام عليها مائة ألف دينار، و سكنها في رجب سنة ست و أربعين و ثلثمائة، و انتقل منها بعد أيام لوباء وقع في غلمانه من بخار البركة، و عظمت العمارة في العسكر جدّا إلى أن قدم أحمد بن طولون من العراق إلى مصر، فنزل بدار الإمارة من العسكر، و كان لها باب إلى جامع العسكر، و ينزلها الأمراء منذ بناها صالح بن عليّ بعد قتله مروان، و ما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر، و الميدان بالقطائع، فتحوّل من العسكر، و سكن قصره بالقطائع، فلما ولي أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بعد أبيه، جعل دار الإمارة ديوان الخراج، ثم فرّقت حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر، و زوال دولة بني طولون، فسكن محمد بن سليمان بدار الإمارة في العسكر عند المصلى القديم، و كان المصلى القديم حيث الكوم المطلّ الآن على قبر القاضي بكار، و ما زالت الأمراء تنزل بالعسكر إلى أن قدم القائد جوهر من المغرب، و بنى القاهرة المعزية، و لما بنى أحمد بن طولون القطائع اتصلت مبانيها بالعسكر، و بنى جامعه على جبل يشكر، فعمرها هنا لك عمارة عظيمة تخرج عن الحدّ في الكثرة، و قدم جوهر القائد بعساكر مولاه المعز لدين اللّه في سنة ثمان و خمسين و ثلثمائة، و العسكر عامر إلّا أنه منذ بنيت القطائع هجر اسم العسكر، و صار يقال: مدينة الفسطاط و القطائع، و ربما قيل: و العسكر أحيانا، فلما خرّب محمد بن سليمان قصر ابن طولون، و ميدانه بقي في القطائع مساكن جليلة حيث كان العسكر، و أنزل المعز لدين اللّه عمه أبا عليّ في دار الإمارة، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الشدّة العظمى التي كانت في خلافة المستنصر أعوام بضع و خمسين و أربعمائة، فيقال: إنه كان هناك زيادة على مائة ألف دار سوى البساتين، و ما هذا ببعيد، فإنّ ذلك كان ما بين سفح الشرف الذي عليه الآن قلعة الجبل، و بين ساحل مصر القديم حيث الآن الكبارة خارج مصر، و ما على سمتها إلى كوم الجارح، و من كوم الجارح إلى جامع ابن طولون، و خط(صفحه 102)

قناطر السباع، و خط السبع سقايات إلى قنطرة السدّ، و مراغة مصر إلى المعاريج بمصر، و إلى كوم الجارح، ففي هذه المواضع كان العسكر و القطائع، و يخص العسكر من بين ذلك ما بين قناطر السباع، و حدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح حيث الفضاء الذي يتوسط ما بين قنطرة السدّ، و بين سور القرافة الذي يعرف بباب المجدم، فهذا هو العسكر، و لما استولى الخراب في المحنة أمر ببناء حائط يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا سار من القاهرة إلى مصر، فيما بين العسكر و القطائع، و بين الطريق، و أمر ببناء حائط آخر عند جامع ابن طولون.

فلما كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجل المأمون بن البطائحي، فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة و مصر، بأنّ من كان له دار في الخراب، أو مكان فليعمره، و من عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجره من غير نقل شي‏ء من أنقاضه، و من تأخر بعد ذلك، فلا حق له و لا حكر يلزمه، و أباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حق، و كان سبب هذا النداء أنه لما قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ في آخر الشدّة العظمى، و قام بعمارة إقليم مصر، أخذ الناس في نقل ما كان بالقطائع و العسكر من أنقاض المساكن حتى أتى على معظم ما هنا لك الهدم، فصار موحشا، و خرب ما بين القاهرة و مصر من المساكن، و لم يبق هنا لك إلّا بعض البساتين، فلما نادى الوزير المأمون عمّر الناس ما كان من ذلك، مما يلي القاهرة من جهة المشهد النفيسيّ إلى ظاهر باب زويلة، كما يرد خبر ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى، و نقلت أنقاض العسكر كما تقدّم، فصار هذا الفضاء الذي يتوصل إليه من مشهد السيدة نفيسة، و من الجامع الطولونيّ، و من قنطرة السدّ، و من باب المجدم في سور القرافة، و يسلك في هذا الفضاء إلى كوم الجارح، و لم يبق الآن من العسكر ما هو عامر سوى جبل يشكر الذي عليه جامع ابن طولون، و ما حوله من الكبش، و حدرة ابن قميحة إلى خط السبع سقايات، و خط قناطر السباع إلى جامع ابن طولون، و أما سوق الجامع من قبليه، و ما وراء ذلك إلى المشهد النفيسيّ، و إلى القبيبات، و الرميلة تحت القلعة، فإنما هو من القطائع كما ستقف عليه عند ذكر القطائع، و عند ذكر هذه الخطط، إن شاء اللّه تعالى، و طالما سلكت هذا الفضاء الذي بين جامع ابن طولون، و كوم الجارح، حيث كان العسكر، و تذكرت ما كان هنا لك من الدور الجليلة و المنازل العظيمة، و المساجد و الأسواق و الحمامات و البساتين و البركة البديعة، و المارستان العجيب، و كيف بادت حتى لم يبق لشي‏ء منها أثر البتة فأنشدت أقول:

و بادوا فلا مخبر عنهم و ماتوا جميعا و هذا الخبر
فمن كان ذا عبرة فليكن فطينا ففي من مضى معتبر
و كان لهم أثر صالح‏ فأين هم ثم أين الأثر
(صفحه 103)

‏ ‏

و سيأتي لذلك مزيد بيان عند ذكر القطائع، و عند ذكر خط قناطر السباع، و غيره من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.(صفحه 104)


قال مقريزى ایضاً:


ذكر ما كانت عليه مدينة الفسطاط من كثرة العمارة


قال ابن يونس عن الليث بن سعد: أن حكيم بن أبي راشد حدّثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنه وقف على جزار، فسأله عن السعر؟ فقال: بأربعة أفلس الرطل، فقال له أبو سلمة: هل لك أن تعطينا بهذا السعر ما بدا لنا و بدا لك؟ قال: نعم، فأخذ منه أبو سلمة، و مرّ في القصبة، حتى إذا أراد أن يوفيه، قال: بعثني بدينار، ثم قال: اصرفه فلوسا، ثم وفه.

و قال الشريف أبو عبد اللّه محمد بن أسعد الجوانيّ النسابة في كتاب النقط على الخطط: سمعت الأمير تأييد الدولة تميم بن محمد المعروف بالضمضام يقول: في سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة، و حدّثني القاضي أبو الحسين عليّ بن الحسين الخلعيّ عن القاضي أبي عبد اللّه القضاعيّ قال: كان في مصر الفسطاط من المساجد، ستة و ثلاثون ألف مسجد، و ثمانية آلاف شارع مسلوك، و ألف و مائة، و سبعون حماما، و إن حمام جنادة في القرافة ما كان يتوصل إليها إلّا بعد عناء من الزحام، و إن قبالتها في كل يوم جمعة خمسمائة درهم.

و قال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ في كتاب الخطط: إنه طلب لقطر الندى ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون ألف تكة بعشرة آلاف دينار من أثمان كل تكة بعشرة دنانير، فوجدت في السوق في أيسر وقت، و بأهون سعي، و ذكر عن القاضي أبي عبيد: أنه لما صرف عن قضاء مصر كان في المودع مائة ألف دينار، و إنّ فائقا مولى أحمد بن طولون اشترى دارا بعشرين ألف دينار، و سلم الثمن إلى البائعين، و أجلهم شهرين، فلما انقضى الأجل سمع فائق صياحا عظيما و بكاء فسأل عن ذلك؟ فقيل: هم الذين باعوا الدار، فدعاهم و سألهم عن ذلك؟ فقالوا: إنما نبكي على جوارك، فأطرق و أمر بالكتب، فردّت عليهم، و وهب لهم الثمن، و ركب إلى أحمد بن طولون، فأخبره فاستصوب رأيه، و استحسن فعله.

و يقال: إنه كان لفائق ثلثمائة فرشة كل فرشة لحظية مثمنة، و إنّ دار الحرم بناها خمارويه لحرمه، و كان أبوه اشتراها له، فقام عليه الثمن و أجرة الصناع و البناء بسبعمائة ألف دينار، و إنّ عبد اللّه بن أحمد بن طباطبا الحسينيّ دخل الجامع، فلم يجد مكانا في الصفّ الأوّل، فوقف في الصف الثاني، فالتفت أبو حفص بن الجلاب، فلما رآه تأخر، و تقدّم الشريف مكانه، فكافأه على ذلك بنعمة حملها إليه، و دارا ابتاعها له، و نقل أهله إليها بعد أن كساهم و حلّاهم. و ذكر غير القضاعيّ: أنه دفع إليه خمسمائة دينار قال: و يقال: إنه أهدى إلى أبي جعفر الطحاويّ كتبا قيمتها ألف دينار، و إنّ رشيقا الإخشيديّ استحجبه أبو بكر محمد بن‏(صفحه 149)

عليّ المادرانيّ، فلما مضت عليه سنة رفع فيه أنه كسب عشرة آلاف دينار، فخاطبه في ذلك، فحلف بالإيمان الغليظة على بطلان ذلك، فأقسم أبو بكر المادرانيّ بمثل ما أقسم به لئن خرجت سنتنا هذه، و لم تكسب هذه الجملة لأصحبتني، و لم يزل في صحبته إلى أن صودر أبو بكر، فأخذ منه، و من رشيق مال جزيل، و ذكر: أن الحسن بن أبي المهاجر موسى بن إسماعيل بن عبد الحميد بن بحر بن سعد كان على البريد في زمن أحمد بن طولون، و قتله خمارويه، و سبب ذلك ما كان في نفس عليّ بن أحمد المادرانيّ منه، فأغرى خمارويه به، و قال: قد بقي لأبيك مال غير الذي ذكره في وصيته، و لم يقف عليه غير ابن مهاجر، فطالبه، فلم يزل خمارويه بابن مهاجر إلى أن وصف له موضع المال من دار خمارويه، فأخرج فكان مبلغه ألف ألف دينار، فسلمه إلى أحمد المادرانيّ، فحمله إلى داره، و أقبلت توقيعات خمارويه فأخرج، فكان مبلغه ألف ألف دنار، فسلمه أموال الضياع و المرافق، و حصلت له تلك الأموال، و لم يضع يده عليها إلى أن قتل، و صودر أبو بكر محمد بن عليّ في أيام الإخشيد، و قبضت ضياعه، فعاد إلى تلك الألف ألف دينار مع ما سواها من ذخائره و أعراضه و عقده، فما ظنك برجل ذخيرته ألف ألف دينار، سوى ما ذكر عن أبي بكر محمد بن عليّ المادرانيّ أنه قال: بعث إليّ أبو الجيش خمارويه أن أشتري له أردية و أقنعة للجواري، و عمل دعوة خلا فيها بنفسه و بهم، و غدوت متعرّفا لخبره، فقيل له: إنه طرب لما هو فيه، فنثر دنانير على الجواري و الغلمان، و تقدّم إليهم أنّ ما سقط من ذلك في البركة، فهو لمحمد بن عليّ كاتبي، فلما حضرت، و بلغني ذلك أمرت الغلمان، فنزلوا في البركة، فأصعدوا إليّ منها سبعين ألف دينار، فما ظنك بمال نثر على أناس فتطاير منه إلى بركة ماء هذا المبلغ.

و قال ابن سعيد في كتاب المعرب في حل المغرب: و في الفسطاط دار تعرف بعبد العزيز يصب فيها لمن بها في كل يوم أربعمائة راوية ماء، و حسبك من دار واحدة يحتاج أهلها في كل يوم إلى هذا القدر من الماء. و قال ابن المتوّج في كتاب إيقاظ المتغفل و اتعاظ المتأمّل عن ساحل مصر، و رأيت من نقل عمن نقل عمن رأى الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على النيل، و كان عددها ستة عشر ألف سطل مؤبدة ببكر، و أطناب بها ترخى و تملأ. أخبرني بذلك من أثقل بنقله، قال:

و كان بالفسطاط في جهته الشرقية حمام من بناء الروم عامرة زمن أحمد بن طولون. قال الراوي: دخلتها في زمن خمارويه بن أحمد بن طولون، و طلبت بها صانعا يخدمني، فلم أجد فيها صانعا متفرّغا لخدمتي، و قيل لي: إن كل صانع معه اثنان يخدمهم و ثلاثة، فسألت كم فيها من صانع؟ فأخبرت: أنّ بها سبعين صانعا قلّ من معه دون ثلاثة، سوى من قضى حاجته، و خرج قال: فخرجت و لم أدخله لعدم من يخدمني بها، ثم طفت غيرها، فلم أقدر على من أجده فارغا إلّا بعد أربع حمامات، و كان الذي خدمني فيها نائبا، فانظر رحمك اللّه(صفحه 150)‏

ما اشتمل عليه هذا الخبر، مع ما ذكره القضاعيّ من عدد الحمامات، و أنها ألف و مائة و سبعون حماما، تعرف من ذلك كثرة ما كان بمصر من الناس، هذا و السعر راخ و القمح كل خمسة أرادب بدينار، و بيعت عشرة أرادب بدينار في زمن أحمد بن طولون. قال ابن المتوّج: خطة مسجد عبد اللّه أدركت بها آثار دار عظيمة، قيل: إنها كانت دار كافور الإخشيديّ، و يقال: إن هذه الخطة تعرف بسوق العسكر، و كان به مسجد الزكاة، و قيل: إنه كان منه قصبة سوق متصلة إلى جامع أحمد بن طولون، و أخبرني بعض المشايخ العدول عن والده، و كان من أكابر الصلحاء أنه قال: عددت من مسجد عبد اللّه إلى جامع ابن طولون ثلثمائة و تسعين قدر حمص مصلوق بقصبة هذا السوق بالأرض، سوى المقاعد و الحوانيت التي بها الحمص، فتأمّل أعزك اللّه ما في هذا الخبر مما يدل على عظمة مصر، فإن هذا السوق كان خارج مدينة الفسطاط، و موضعه اليوم الفضاء الذي بين كوم الجارح و بين جامع ابن طولون، و من المعروف أن الأسواق التي تكون بداخل المدينة أعظم من الأسواق التي هي خارجها، و مع ذلك ففي هذا السوق من صنف واحد من المآكل هذا القدر، فكم ترى تكون جملة ما فيه من سائر أصناف المآكل، و قد كان إذ ذاك بمصر عشرة أسواق كلها أو أكثرها أجلّ من هذا السوق، قال: و درب السفافير بني فيه زقاق بني الرصاص، كان به جماعة إذا عقد عندهم عقد لا يحتاجون إلى غريب، و كانوا هم و أولادهم نحوا من أربعين نفسا.

و قال ابن زولاق‏ في كتاب سيرة المادرانيين: و لما قدم الأستاذ مونس الخادم من بغداد إلى مصر استدعى أبو عليّ الحسين بن أحمد المادرانيّ المعروف بأبي زنبور الدقاق، و هو الذي نسميه اليوم الطحان، و قال: إن الأستاذ مؤنسا قد وافى، ولي بمشتول‏ قدر ستين ألف أردب قمحا، فإذا وافى، فقم له بالوظيفة، فكان يقوم له بما يحتاج إليه من دقيق حواري مدّة شهر، فلما كمل الشهر قال كاتب مونس للدقاق: كم لك حتى ندفعه إليك؟

فأعلمه الخبر، فقال: ما أحسب الأستاذ يرضى أن يكون في ضيافة أبي عليّ، و أعلم مونسا بذلك، فقال: أنا آكل خبز حسين؟! لا يبرح الرجل حتى يقبض ماله، فمضى الدقاق و علم أبا زنبور، فقام من فوره إلى مونس، فأكب على رجليه، فاحتشم منه، و قال: و اللّه لا أجيبك إلا هذا الشهر الذي مضى و لا تعاود، ثم رجع فقال الدقاق: قم له بالوظيفة في المستقبل و اعمل ما يريده؟ قال: فجئته و قد فرغ القمح، و معي الحساب، و أربعمائة دينار قال:(صفحه 151)

إيش هذا؟ فقلت: بقية ذلك القمح، فقال: أعفني منه و تركه، فتأمّل ما اشتمل عليه هذا الخبر من سعة حال كاتب من كتاب مصر، كيف كان له في قرية واحدة هذا القدر من صنف القمح، و كيف صار مما يفضل عنه، حتى يجعله ضيافة، و كيف لم يعبأ بأربعمائة دينار، حتى وهبها لدقاق قمح، و ما ذاك إلا من كثرة المعاش، و قس عليه باقي الأحوال.

و قال عن أبي بكر محمد بن عليّ المادرانيّ: أنه حج اثنتين و عشرين حجة متوالية، أنفق في كل حجة مائة ألف دينار، و خمسين ألف دينار، و أنه كان يخرج معه بتسعين ناقعة لقبته التي يركبها، و أربعمائة لجهازه و ميرته، و معه المحامل فيها أحواض البقل، و أحواض الرياحين، و كلاب الصيد، و ينفق على الأشراف، و أولاد الصحابة، و لهم عنده ديوان بأسمائهم، و أنه أنفق في خمس حجات أخر ألفي ألف دينار، و مائتي ألف دينار، و كانت جاريته تواصل معه الحج، و معها لنفسها ثلاثون ناقة لقبتها، و مائة و خمسون عربيا لجهازها، و أحصى ما يعطيه كل شهر لحاشيته، و أهل الستر، و ذوي الأقدار جراية من الدقيق الحواري، فكان بضعا و ثمانين ألف رطل، و كان سنة القرمطيّ بمكة، فمن جملة ما ذهب له به مائتا قميص ديبقي ثمن كل ثوب منها خمسون دينارا، و قال مرّة: و هو في عطلته أخذ مني محمد بن طفج الإخشيد عينا و عرضا يبلغ نيفا و ثمانين و يبة دنانير، فاستعظم من حضر ذلك، فقال ابنه الذي أخذ أكثر: و أنا أوقفه عليه، ثم قال لأبيه: يا مولاي أليس نكتب ثلاث مرّات؟ قال: قريب منها، قال: و عرض و عين؟ قال: كذلك، فأمر بعض الحساب بضبط ذلك، فجاء ما ينيف عن ثلاثين أردبا من ذهب؟! فانظر ما تضمنته أخبار المادرانيّ، و قس عليها بقية أحوال مصر، فما كان سوى كاتب الخراج، و هذه أمواله كما قد رأيت.

و قال الشريف الجوانيّ: إن أبا عبد اللّه محمد بن مفسر قاضي مصر سمع بأن المادرانيّ عمل في أيامه الكعك المحشوّ بالسكر، و القرص الصغار المسمى افطن له، فأمرهم بعمل الفستق الملبس بالسكر الأبيض الفانيد المطيب بالمسك، و عمل منه في أوّل الحال أشياء عوض لبه: لب ذهب في صحن واحد، فمضى عليه جملة، و خطف قدّامه تخاطفه الحاضرون، و لم يعد لعمله بل الفستق الملبس، و كان قد سمع في سيرة المادرانيين أنه عمل له هذا الإفطن له، و في كل واحدة خمسة دنانير، و وقف أستاذ على السماط، فقال لأحد الجلساء: افطن له، و كان عمل على السماط عدّة صحون من ذلك الجنس، لكن ما فيه الدنانير صحن واحد، فلما رمز الأستاذ لذلك الرجل بقوله: افطن له، و أشار إلى الصحن تناول ذلك الرجل منه، فأصاب الذهب، و اعتمد عليه، فحصل له جملة، و رآه الناس و هو إذا أكل يخرج من فمه، و يجمع بيده، و يحط في حجره، فتنبهوا له، و تزاحموا عليه فقيل لذلك من يومئذ: افطن له.(صفحه 152)


و قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ مصر: حدّثني بعض أصحابنا بتفسير رؤيا رآها غلام ابن عقيل الخشاب عجيبة، فكانت حقا، كما فسرت، فسألت غلام ابن عقيل عنها؟ فقال لي: أنا أخبرك، كان أبي في سوق الخشابين فأنفق بضاعته، ورثت حاله و ماله، فأسلمتني أمي إلى ابن عقيل، و كان صديقا لأبي، فكنت أخدمه، و أفتح حانوته و أكنسها، ثم أفرش ما يجلس عليه، فكان يجري عليّ رزقا أتقوّت به، فأتى يوما في الحانوت، و قد جلس أستاذي ابن عقيل، فجاء ابن العسال مع رجل من أهل الريف يطلب عود خشب لطاحونة، فاشترى من ابن عقيل عود طاحونة بخمسة دنانير، فسمعت قوما من أهل السوق يقولون: هذا ابن العسال المفسر للرؤيا عند ابن عقيل، فجاء منهم قوم، و قصوا عليه منامات رأوها، ففسرها لهم، فذكرت رؤيا رأيتها في ليلتي، فقلت له: إني رأيت البارحة في نومي كذا و كذا، فقصصت عليه الرؤيا، فقال لي: أيّ وقت رأيتها من الليل، فقلت: انتبهت بعد رؤياي في وقت كذا، فقال لي: هذه رؤيا لست أفسرها إلّا بدنانير كثيرة، فألححت عليه، فقال أستاذي ابن عقيل: إن قرّبت علينا وزنت أنا لك ذلك من عندي، فلم يزل به ينزله، حتى قال: و اللّه لا آخذ أقل من ثمن العود الخشب خمسة دنانير، فقال له ابن عقيل: إن صحت الرؤيا دفعت إليك العود بلا ثمن، فقال له: يأخذ مثل هذا اليوم ألف دينار، قال أستاذي: فإذا لم يصح هذا، فقال: يكون العود عندك إلى مثل هذا اليوم، فإن كان لم يصح أخذ ما قلت له في ذلك اليوم، فليس لي عندك شي‏ء، و لا أفسر رؤيا أبدا، فقال له أستاذي: قد أنصفت و مضت الجمعة، فلما كان مثل ذلك اليوم غدوت مثل ما كنت أغدو إلى دكان أستاذي، ففتحتها و رششتها، و استلقيت على ظهري أفكر فيما قال لي، و من أين يمكن أن يصير إليّ ألف دينار، فقلت: لعل سقف المكان ينفرج، فيسقط منه هذا المال، و جعلت أجيل فكري، و إني كذلك إلى ضحى إذ وقف عليّ جماعة من أعوان الخراج معهم ناس، فقالوا: هذه دكان ابن عقيل؟ ثم قالوا لي: قم، فقلت لهم:

لست ابن عقيل، أنا غلامه، فقالوا: بل أنت ابنه، و جبذوني، فأخرجوني من الدكان، فقلت: إلى أين؟ فقالوا: إلى ديوان الأستاذ أبي عليّ الحسين بن أحمد يعنون أبا زنبور، فقلت: و ما يصنع بي؟ فقالوا: إذا جئت سمعت كلامه، و ما يريده منك، و كنت بعقب علة ضعيف البدن، فقلت: ما أقدر أمشي، فقالوا: اكتر حمارا تركبه، و لم يكن معي ما أكتري به حمارا، فنزعت تكة سراويلي من وسطي، و دفعتها على درهمين لمن أكراني الحمار، و مضيت معهم، فجاءوا بي إلى دار أبي زنبور، فلما دخلت قال لي: أنت ابن عقيل؟ فقلت: لا يا سيدي، أنا غلام في حانوته، قال،: أفليس تبصر قيمة الخشب؟ قلت: بلى، قال: فاذهب مع هؤلاء، فقوّم لنا هذا الخشب، فانظر بحيث لا يزيد و لا ينقص، فمضيت(صفحه 153)‏

معهم، فجاءوا بي إلى شط البحر إلى خشب كثير من أثل و سنط جاف، و غير ذلك مما يصلح لبناء المراكب، فقوّمته تقويم جزع، حتى بلغت قيمته ألفي دينار، فقالوا لي: انظر هذا الموضع الآخر فيه من الخشب أيضا، فنظرت فإذا هو أكثر مما قوّمت بنحو مرّتين فأعجلوني، و لم أضبط قيمة الخشب، فردّوني إلى أبي زنبور، فقال لي: قوّمت الخشب كما أمرتك؟ ففزعت، فقلت: نعم، فقال: هات كم قوّمته، فقلت: ألفا دينار، فقال: انظر لا تغلط، فقلت: هو قيمته عندي، فقال لي: فخذه أنت بألفي دينار، فقلت: أنا فقير لا أملك دينارا واحدا، فكيف لي بقيمته، قال: أ لست تحسن تدبيره و تبيعه؟ فقلت: بلى، قال: فدبره و بعه و نحن نصبر عليك بالثمن إلى أن تبيع شيئا شيئا، و تؤدّي ثمنه، فقلت: أفعل، فأمر بكتاب يكتب عليّ في الديوان بالمال، فكتب عليّ، و رجعت إلى الشط أعرف عدد الخشب، و أوصي به الحرّاس، فوافيت جماعة أهل سوقنا، و شيوخهم قد أتوا إلى موضع الخشب، فقالوا لي: إيش صنعت؟ قوّمت الخشب؟ قلت: نعم، قالوا: بكم قوّمته؟ فقلت:

بألفي دينار، فقالوا لي: و أنت تحسن تقوّم؟ لا يساوي هذا هذه القيمة، فقلت لهم: قد كتب عليّ كتاب في الديوان، و هو عندي يساوي أضعاف هذا، فقالوا لي: اسكت لا يسمعك أحد، و كانوا قد قوّموه قبلي لأبي زنبور بألف دينار، فقال بعضهم لبعض: أعطوا هذا ربحه، و تسلموه أنتم، فقال قائل: أعطوه ربحه خمسمائة دينار، فقلت: لا و اللّه لا آخذ، فقالوا: قد رأى رؤيا، فزيدوه، فقلت: لا و اللّه لا آخذ أقلّ من ألف دينار، قالوا: فلك ألف دينار، فحوّل اسمك من الديوان نعطك إذا بعنا ألف دينار، فقلت: لا و اللّه لا أفعل حتى آخذ الألف دينار في وقتي هذا، فمضوا إلى حوانيتهم، و إلى منازلهم حتى جاءوني بألف دينار، فقلت: لا آخذها إلا بنقد الصيرفيّ و ميزانه، فمضيت معهم إلى صيرفيّ الناحية، حتى وزنوا عنده الألف دينار، و نقدتها و أخذتها فشددتها في طرف رداءي، فمضيت معهم إلى الديوان، و حوّلت أسماءهم مكان اسمي، و وفوا حتى الديوان من عندهم، و رجعت وقت الظهر إلى أستاذي، فقال لي: قبضت ألف دينار منهم؟ فقلت: نعم ببركتك، و تركت الدنانير بين يديه، و قلت له: يا أستاذ خذ ثمن العود الخشب، فقال: لا و اللّه لا آخذ منك شيئا أنت عندي مقام ابني، و جاء في الوقت ابن العسال، فدفع إليه أستاذي العود الخشب، فمضى، فهذا خبر رؤياي و تفسيرها، فتأمّل أعزك اللّه ما يشتمل عليه من عظم ما كانت عليه مصر، وسعة حال الديوان، و كيف فضل فيه خشب يساوي آلافا من الذهب، و نحن اليوم في زمن إذا احتيج فيه إلى عمارة شي‏ء من الأماكن السلطانية بخشب أو غيره أخذ من الناس إما بغير ثمن أو بأخس القيم، مع ما يصيب مالكه من الخوف و الخسارة للأعوان، و كيف لما قوّم هذا الخشب لم يكلف المشتري دفع المال في الحال، و في زمننا إذا طرحت البضاعة السلطانية على الباعة يكلفون حمل ثمنها بالسرعة، حتى أنّ فيهم من يبيعها بأقلّ من نصف ما اشتراها به، و يكمل الثمن إمّا من ماله، أو يقترضه بربح، و كيف لما علم أهل السوق أن الخشب بيع بدون القيمة(صفحه 154)

لم يمضوا إلى الديوان، و يدفعون فيه زيادة إمّا لقلة شره الناس إذ ذاك و تركهم الأخلاق الرذيلة من الحسد و نحوه أو لعلمهم بعدل السلطان، و إنه لا ينكث ما عقده، و في زمننا لو ادّعى عدوّ على عدوّه أنّ البضاعة التي كان اشتراها من الديوان قيمتها أكثر مما أخذها به لقبل قوله، و رغم زيادة على ما ادّعاه عدوّه من قلة القيمة جملة أخرى لا جرم أنه تظاهر سفهاء الناس بكل رذيلة و ذميمة من الأخلاق، فإنّ الملك سوق يجبى إليه ما نفق به، و كيف لما علم ابن عقيل أنّ غلامه استفاد على اسمه ألف دينار، لم يشره إلى أخذها بل دفع عنه خمسة الدنانير، و ما ذاك إلا من انتشار الخير في الناس، و كثرة أموالهم، وسعة حال كل أحد بحسبه و طيب نفوس الكافة، و لعمري لو سمع زمننا أحد من الأمراء و الوزراء فضلا عن الباعة، أنّ غلاما من غلمانه أخذ على اسمه عشر هذا المبلغ لقامت قيامته، و كيف اتسعت أحوال الخشابين حتى وزنوا ألف دينار في ساعة، و إنه ليعسر اليوم على الخشابين أن يزنوا في يوم مائة دينار، و هذا كله من وفور غنى الناس بمصر، و عظم أمرهم، و كثرة سعاداتهم، و كان الفسطاط نحو ثلث بغداد، و مقداره فرسخ على غاية العمارة، و الخصب و الطيبة، و اللذة، و كانت مساكن أهلها خمس طبقات و ستا و سبعا و ربما سكن في الدار الواحدة المائتان من الناس، و كان فيه دار عبد العزيز بن مروان يصب فيها لمن في كل يوم أربعمائة راوية ماء، و كان فيها خمسة مساجد و حمامان، و عدّة أفران يخبز بها عجين أهلها، و قد قال أبو داود في كتاب السنن: شبرت قثاءة بمصر: ثلاثة عشر شبرا، و رأيت أترجة على بعير قطعتين: قطعت، و صيرت على مثل عدلين، ذكره في باب صدقة الزرع من كتاب الزكاة، قلت: و قد ذكر أن هذا كان في جنان بني سنان البصريّ خارج مدينة الفسطاط، و كانت بحيث لم ير أبدع منها، فلما قدم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون بن هارون الرشيد مصر:

سنة سبع عشرة و مائتين، رأى جنان بني سنان هذه؟ فأعجب بها، و سأل إبراهيم بن سنان: كم عليه من الخراج لجنانه؟ فذكر أنه يحمل إلى الديوان في كل سنة عشرين ألف دينار، فقال المأمون: و كم ترد عليك هذه الجنان؟ قال: لا أستطيع حصره إلا أن ما زاد على مائة ألف دينار، أتصدّق به و لو درهما هذا، و له ولد اسمه أحمد بن إبراهيم بن سنان يوصف بعلم و زهد، و اللّه تعالى أعلم.(صفحه 155)


قال مقريزى ایضاً:


ذكر خراب الفسطاط


و كان لخراب مدينة فسطاط مصر سببان: أحدهما: الشدّة العظمى التي كانت في خلافة المستنصر بالله الفاطمي، و الثاني: حريق مصر في وزارة شاور بن مجير السعديّ. فأما الشدّة العظمى: فإنّ سببها أنّ السعر ارتفع بمصر في سنة ست و أربعين و أربعمائة، و تبع الغلاء، و باء، فبعث الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معدّ بن الظاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ إلى متملك الروم بقسطنطينية أن يحمل الغلال إلى مصر، فأطلق أربعمائة ألف أردب، و عزم على حملها إلى مصر، فأدركه أجله و مات قبل ذلك، فقام في الملك بعده امرأة، و كتبت إلى المستنصر تسأله أن يكون عونا لها، و يمدّها بعساكر مصر إذا ثار عليها أحد، فأبى أن يسعفها في طلبتها، فجردت لذلك، و عاقت الغلال عن المسير إلى مصر، فخنق المستنصر، و جهز العساكر، و عليها مكين الدولة الحسن بن ملهم، و سارت إلى اللاذقية، فحاربتها بسبب نقض الهدنة و إمساك الغلال عن الوصول إلى مصر، و أمدّها بالعساكر الكثيرة، و نودي في بلاد الشام بالغزو، فنزل ابن ملهم قريبا من فامية، و ضايق أهلها، و جال في أعمال أنطاكية، فسبى و نهب، فأخرج صاحب قسطنطينية ثمانين قطعة في البحر، فحاربها ابن ملهم عدّة مرار، و كانت عليه، و أسر هو و جماعة كثيرة في شهر ربيع‏(صفحه 157)

الأوّل منها، فبعث المستنصر في سنة سبع و أربعين: أبا عبد اللّه القضاعيّ برسالة إلى القسطنطينية فوافى إليها رسول طغربل السلجوقيّ من العراق بكتابة يأمر متملك الروم بأن يمكن الرسول من الصلاة في جامع القسطنطينية، فأذن له في ذلك، فدخل إليه و صلى فيه صلاة الجمعة. و خطب للخليفة القائم بأمر اللّه العباسيّ، فبعث القاضي القضاعيّ إلى المستنصر يخبره بذلك، فأرسل إلى كنيسة قمامة بيت المقدس، و قبض على جميع ما فيها، و كان شيئا كثيرا من أموال النصارى، ففسد من حينئذ ما بين الروم و المصريين، حتى استولوا على بلاد الساحل كلها، و حاصروا القاهرة كما يرد في موضعه إن شاء اللّه تعالى، و اشتدّ في هذه السنة الغلاء، و كثر الوباء بمصر و القاهرة، و أعمالها إلى سنة أربع و خمسين و أربعمائة، فحدث مع ذلك الفتنة العظيمة التي خرب بسببها إقليم مصر كله، و ذلك أنّ المستنصر لما خرج على عادته في كل سنة على النجب مع النساء، و الحشم إلى أرض الجب خارج القاهرة، و جرّد بعض الأتراك سيفا، و هو سكران على أحد عبيد الشراء، فاجتمع عليه كثير من العبيد و قتلوه، فحنق لقتله الأتراك، و ساروا بجميعهم إلى المستنصر.

و قالوا: إن كان هذا عن رضاك، فالسمع و الطاعة، و إن كان من غير رضى أمير المؤمنين، فلا نرضى بذلك، فتبرّأ المستنصر مما جرى و أنكره، فتجمع الأتراك لمحاربة العبيد، و كانت بينهما حروب شديدة بناحية كوم شريك قتل فيها عدّة من العبيد. و انهزم من بقي منهم، فشق ذلك على أمّ المستنصر، فإنها كانت السبب في كثرة العبيد السود بمصر، و ذلك أنها كانت جارية سوداء، فأحبت الاستكثار من جنسها، و اشترتهم من كل مكان، و عرفت رغبتها في هذا الجنس، فجلبت الناس إلى مصر منهم، حتى يقال: إنه صار في مصر إذ ذاك على زيادة على خمسين ألف عبد أسود، فلما كانت وقعة كوم شريك أمدّت العبيد بالأموال و السلاح سرّا، و كانت أمّ المستنصر قد تحكمت في الدولة، و حقدت على الأتراك، و حثت على قتلهم مولاها أبا سعد التستريّ، فقويت العبيد لذلك، حتى صار الواحد منهم يحكم بما يختار، فكرهت الأتراك ذلك، و كان ما ذكر، فظفر بعض الأتراك يوما بشي‏ء من المال و السلاح قد بعثت به أمّ المستنصر إلى العبيد تمدّهم به بعد انهزامهم من كوم شريك، فاجتمعوا بأسرهم، و دخلوا على المستنصر، و أغلظوا في القول، فحلف أنه لم يكن عنده علم بما ذكر، و صار إلى أمه، فأنكرت ما فعلت، و خرج الأتراك، فصار السيف قائما، و وقعت الفتنة ثانيا فانتدب المستنصر: أبا الفرج ابن المغربيّ ليصلح بين الطائفتين، فاصطلحه على غلّ، و خرج العبيد إلى شبرا دمنهور، فكان هذا أوّل اختلال أحوال أهل مصر، و دبت عقارب العداوة بين الفئتين إلى سنة تسع و خمسين، فقويت شوكة الأتراك، و ضروا على المستنصر، و زاد طمعهم فيه، و طلبوا منه الزيادة في واجباتهم، و ضاقت أحوال(صفحه 158)‏

العبيد، و اشتدّت ضرورتهم، و كثرت حاجتهم، و قلّ مال السلطان، و استضعف جانبه، فبعثت أم المستنصر إلى قوّاد العبيد تغريهم بالأتراك، فاجتمعوا بالجيزة، و خرج إليهم الأتراك، و مقدّمهم ناصر الدين حسين بن حمدان‏، فاقتتلا عدّة مرار ظهر في آخرها الأتراك على العبيد، و هزموهم إلى بلاد الصعيد، فعاد ابن حمدان إلى القاهرة، و قد عظم أمره، و قوي جأشه، و كبرت نفسه، و استخف بالخليفة، فجاءه الخبر: أنه قد تجمع من العبيد ببلاد الصعيد نحو خمسة عشر ألف فارس، فقلق و بعث بمقدّمي الأتراك إلى المستنصر، فأنكر ما كان من اجتماع العبيد، و جفوا في خطابهم، و فارقوه على غير رضى منهم، فبعثت أم المستنصر إلى من بحضرتها من العبيد، تأمرهم بالإيقاع على غفلة بالأتراك، فهجموا عليهم، و قتلوا منهم عدّة، فبادر ابن حمدان إلى الخروج ظاهر القاهرة، و تلاحق به الأتراك، و برز إليهم العبيد المقيمون بالقاهرة و مصر، و حاربوهم عدّة أيام، فحلف ابن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل الأمر إمّا له أو عليه، و جدّ كل من الفريقين في القتال، فظهرت الأتراك على العبيد، و أثخنوا في قتلهم و أسرهم، فعادوا إلى القاهرة، و تتبع ابن حمدان من في البلد منهم، حتى أفنى معظمهم، هذا و العبيد ببلاد الصعيد على حالهم، و بالإسكندرية أيضا منهم جمع كثير، فسار ابن حمدان إلى الإسكندرية، و حاصرهم فيها مدّة حتى سألوه الأمان، فأخرجهم، و أقام فيها من يثق به، و انقضت هذه السنة كلها في قتال العبيد، و دخلت سنة ستين و أربعمائة، و قد خرق الأتراك ناموس المستنصر، و استهانوا به، و استخفوا بقدره، و صار مقرّرهم في كل شهر أربعمائة ألف دينار بعدما كان ثمانية و عشرين ألف دينار، و لم يبق في الخزائن مال، فبعثوا يطالبونه بالمال، فاعتذر إليهم بعجزه عما طلبوه، فلم يعذروه، و قالوا: بع ذخائرك، فلم يجد بدّا من إجابتهم، و أخرج ما كان في القصر من الذخائر، فصاروا يقوّمون ما يخرج إليهم بأخس القيم، و أقل الأثمان، و يأخذون ذلك في واجباتهم. و تجهز ابن حمدان، و سار إلى الصعيد يريد قتال العبيد، و كانت شرورهم قد كثرت، و ضررهم و فسادهم قد تزايد، فلقيهم و واقعهم غير مرّة، و الأتراك تنكسر منهم، و تعود إلى محاربتهم إلى أن حمل العبيد عليهم حملة انهزموا فيها إلى الجيزة، فأفحشوا عند ذلك في أمر المستنصر، و نسبوه إلى مباطنة العبيد، و تقويتهم، فأنكر ذلك، و حلف عليه، فأخذوا في إصلاح شأنهم، و لمّ شعثهم و ساروا لقتال العبيد، و ما زالوا يلحون في قتالهم حتى انكسرت العبيد كسرة شنيعة، و قتل منهم خلق كثير، و فرّ من بقي، فذهبت شوكتهم، و زالت دولتهم، و رجع ابن حمدان، و قد كشف قناع الحياء، و جهر بالسوء للمستنصر، و استبدّ بسلطنة(صفحه 159)

البلاد، و دخلت سنة إحدى و ستين و ابن حمدان مستبدّ بالأمر مجاف للمستنصر، فنقل مكانه على الأتراك، و تفرّغوا من العبيد، و التفتوا إليه، و قد استبدّ بالأمور دونهم، و استأثر بالأموال عليهم، ففسد ما بينهم و بينه، و شكوا منهم إلى الوزير خطير الملك، فأغراهم به، و لامهم على ما كان من تقويته، و حسن لهم الثورة به، فصاروا إلى المستنصر، و وافقوه على ذلك، فبعث إلى ابن حمدان يأمره بالخروج عن مصر، و يهدّده إن امتنع، فلم يقدر على الامتناع منه، لفساد الأتراك عليه، و ميلهم مع المستنصر، فخرج إلى الجيزة، و انتهب الناس دوره و دور حواشيه، فلما جنّ عليه الليل عاد من الجيزة سرّا إلى دار القائد تاج الملوك شادي، و ترامى عليه، و قبل رجليه، و سأله النصرة على الذكر و الوزير الخطير، فإنهما قاما بهذه الفتنة، فأجابه إلى ذلك، و وعده بقتل المذكورين و فارقه ابن حمدان، فلما كان من الغد ركب شادي في أصحابه، و أخذ يسير بين القصرين بالقاهرة، و أقبل الوزير الخطير، في موكبه، فبادره شادي على حين غفلة و قتله، ففرّ الذكر إلى القصر، و التجأ بالمستنصر، فلم يكن بأسرع من قدوم ابن حمدان، و قد استعدّ للحرب، فيمن معه فركب المستنصر بلأمة الحرب، و اجتمع إليه الأجناد و العامّة، و صار في عدد لا ينحصر، و برزت الفرسان، فكانت بين الخليفة، و ابن حمدان حروب آلت إلى هزيمة ابن حمدان، و قتل كثير من أصحابه، فمضى في طائفة إلى البحيرة، و ترامى على بني سيس، و تزوّج منها، فعظم الأمر بالقاهرة و مصر من شدّة الغلاء، و قلة الأقوات لما فسد من الأعمال بكثرة النهب، و قطع الطريق حتى أكل الناس الجيف و الميتات، و وقف أرباب الفساد في الطريق، فصاروا يقتلون من ظفروا به في أزقة مصر، فهلك من أهل مصر في هذه الحروب و الفتن ما لا يمكن حصره، و امتدّ ذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث و ستين، فجهز المستنصر عساكره لقتال ابن حمدان بالبحيرة، فسارت إليه و لم يوفق في محاربته، فكسرها كلها، و احتوى على ما كان معها من سلاح و كراع و مال، فتقوّى به، و قطع الميرة عن البلد، و نهب أكثر الوجه البحريّ، و قطع منه الخطبة للمستنصر، و دعا للخليفة القائم بأمر اللّه العباسيّ بالإسكندرية و دمياط، و عامّة الوجه البحريّ، فاشتدّ الجوع، و تزايد الموتان بالقاهرة و مصر حتى أنه كان يموت الواحد من أهل البيت، فلا يمضي يوم و ليلة من موته، حتى يموت سائر من في ذلك البيت، و لا يوجد من يستولي عليه، و مدّت الأجناد أيديها إلى النهب، فخرج الأمر عن الحدّ، و نجا أهل القوّة بأنفسهم من مصر، و ساروا إلى الشام و العراق، و خرج من خزائن القصر ما يجل وصفه، و قد ذكر طرف من ذلك في أخبار القاهرة عند ذكر خزائن القصر، فاضطرّ الأجناد ما هم فيه من شدّة الجوع إلى مصالحة ابن حمدان بشرط أن يقيم في مكانه، و يحمل إليه مال مقرّر، و ينوب عنه شادي بالقاهرة، فرضي بذلك، و سير الغلال إلى القاهرة و مصر، فسكن ما بالناس من شدّة الجوع قليلا، و لم يكن ذلك إلا نحو شهر، و وقع الاختلاف عليه، فقدم من البحيرة إلى مصر، و حاصرها و انتهبها، و أحرق دورا عديدة بالساحل، و رجع إلى البحيرة،(صفحه 160)


فدخلت سنة أربع و ستين، و الحال على ذلك، و شادى قد استبدّ بأمر الدولة، و فسد ما بينه و بين ابن حمدان، و منعه من المال الذي تقرّر له و شح به عليه، فلم يوصله إلى القليل، فجرد من ذلك ابن حمدان، و جمع العربان، و سار إلى الجيزة، و خادع شادي حتى صار إليه ليلا في عدّة من الأكابر، فقبض عليه و عليهم، و بعث أصحابه فنهبوا مصر، و أطلقوا فيها النار، فخرج إليهم عسكر المستنصر من القاهرة، و هزموهم، فعاد إلى البحيرة، و بعث رسولا إلى الخليفة القائم بأمر اللّه ببغداد بإقامة الخطبة له، و سأله الخلع و التشاريف فاضمحل أمر المستنصر، و تلاشى ذكره، و تفاقم الأمر في الشدّة من الغلاء، حتى هلكوا فسار ابن حمدان إلى البلد، و ليس في أحد قوّة يمنعه بها، فملك القاهرة و امتنع المستنصر بالقصر، فسير إليه رسولا يطلب منه المال، فوجده، و قد ذهب سائر ما كان يعهده من أبهة الخلافة، حتى جلس على حصير، و لم يبق معه سوى ثلاثة من الخدم، فبلغه رسالة ابن حمدان، فقال المستنصر للرسول: ما يكفي ناصر الدولة أن اجلس في مثل هذا البيت على هذا الحال؟ فبكى الرسول رقة له، و عاد إلى ابن حمدان فأخبره بما شاهد من اتضاع أمر المستنصر، و سوء حاله، فكف عنه، و أطلق له في كل شهر مائة دينار، و امتدّت يده و تحكم و بالغ في إهانة المستنصر مبالغة عظيمة، و قبض على أمه و عاقبها أشد العقوبة، و استصفى أموالها، فحاز منها شيئا كثيرا، فتفرّق حينئذ عن المستنصر جميع أقاربه، و أولاده من الجوع فمنهم من سار إلى المغرب، و منهم من سار إلى الشام و العراق.

قال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ‏ النسابة في كتاب النقط: حلّ بمصر غلاء شديد، في خلافة المستنصر بالله في سنة سبع و خمسين و أربعمائة، و أقام إلى سنة أربع و ستين و أربعمائة، و عمّ مع الغلاء و باء شديد، فأقام ذلك سبع سنين، و النيل يمدّ و ينزل، فلا يجد من يزرع، و شمل الخوف من العسكرية، و فساد العبيد، فانقطعت الطرقات برّا و بحرا إلّا بالخفارة الكثيرة مع ركوب الغرر، و نزا المارقون بعضهم على بعض، و استولى الجوع لعدم القوت، و صار الحال إلى أن بيع رغيف من الخبز الذي وزنه رطل بزقاق القناديل:

كبيع الطرف في النداء بأربعة عشر درهما، و بيع أردب من القمح بثمانين دينارا، ثم عدم ذلك، و أكلت الكلاب و القطاط، ثم تزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا، و كان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السقوف قريبة ممن يسعى في الطرقات و يطوف، و قد أعدّوا سلبا، و خطاطيف فإذا مرّ بهم أحد شالوه في أقرب وقت، ثم ضربوه بالأخشاب، و شرّحوا لحمه و أكلوه. قال: و حدّثني بعض نسائنا الصالحات قالت: كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها، و فيها كالحفر، فكنا نسألها، فتقول: أنا ممن خطفني أكلة الناس في الشدّة،(صفحه 161)

فأخذني إنسان، و كنت ذات جسم و سمن، فأدخلني إلى بيت فيه سكاكين و آثار الدماء، و زفرة القتلى، فأضجعني على وجهي، و ربط في يديّ و رجليّ سلبا إلى أوتاد حديد عريانة، ثم شرّح من أفخاذي شرائح و أنا أستغيث، و لا أحد يجيبني، ثم أضرم الفحم و شوي من لحمي، و أكل أكلا كثيرا، ثم سكر حتى وقع على جنبه لا يعرف أين هو، فأخذت في الحركة إلى أن انحل أحد الأوتاط، و أعان اللّه على الخلاص، و تخلصت و حللت الرباط، و أخذت خرقا من داره، و لففت بها أفخاذي، و زحفت إلى باب الدار، و خرجت أزحف إلى أن وقعت إلى المأمن، و جئت إلى بيتي، و عرّفتهم بموضعه، فمضوا إلى الوالي، فكبس عليه و ضرب عنقه، و أقام الدواء في أفخاذي سنة إلى أن ختم الجرح، و بقي كذا حفرا، و بسبب هذا الغلاء خرب الفسطاط، و خلا موضع العسكر و القطائع، و ظاهر مصر، مما يلي القرافة حيث الكيمان الآن إلى بركة الحبش، فلما قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ إلى مصر، و قام بتدبير أمرها نقلت أنقاض ظاهر مصر مما يلي القاهرة حيث كان العسكر و القطائع، و صار فضاء و كيمانا، فيما بين مصر و القاهرة، و فيما بين مصر و القرافة، و تراجعت أحوال الفسطاط بعد ذلك حتى قارب ما كان عليه قبل الشدّة.

و أما حريق مصر: فكان سببه: أنّ الفرنج لما تغلبوا على ممالك الشام، و استولوا على الساحل حتى صار بأيديهم ما بين ملطية إلى بلبيس إلّا مدينة دمشق فقط، و صار أمر الوزارة بديار مصر: لشاور بن مجير السعديّ، و الخليفة يومئذ العاضد لدين اللّه عبد اللّه بن يوسف، اسم لا معنى له، و قام في منصب الوزارة بالقوّة في صفر سنة ثمان و خمسين و خمسمائة، و تلقب بأمير الجيوش، و أخذ أموال بني رزيك وزراء مصر، و ملوكها من قبله، فلما استبدّ بالإمرة حسده ضرغام صاحب الباب، و جمع جموعا كثيرة، و غلب شاور على الوزارة في شهر رمضان منها، فسار شاور إلى الشام، و استقل ضرغام بسلطنة مصر، فكان بمصر في هذه السنة ثلاثة وزراء هم: العادل بن رزيك بن طلائع بن رزيك، و شاور بن مجير، و ضرغام، فأساء ضرغام السيرة في قتل أمراء الدولة، و ضعفت من أجل ذلك دولة الفاطميين بذهاب رجالها الأكابر، ثم إن شاور استنجد بالسلطان: نور الدين محمود بن زنكي‏ صاحب الشام، فأنجده و بعث معه عسكرا كثيرا في جمادى الأولى سنة تسع و خمسين، و قدم عليه أسد الدين شيركوه على أن يكون لنور الدين إذا عاد شاور إلى منصب الوزارة ثلث خراج مصر بعد إقطاعات العساكر، و أن يكون شيركوه عنده بعساكره في مصر، و لا يتصرّف إلا بأمر نور الدين، فخرج ضرغام بالعسكر، و حاربه في بلبيس فانهزم، و عاد إلى مصر، فنزل شاور بمن معه عند التاج خارج القاهرة، و انتشر عسكره في البلاد، و بعث‏(صفحه 162)

ضرغام إلى أهل البلاد، فأتوه خوفا من الترك القادمين معه، و أتته الطائفة الريحانية و الطائفة الجيوشية، فامتنعوا بالقاهرة، و تطاردوا مع طلائع شاور بأرض الطبالة، فنزل شاور في المقس، و حارب أهل القاهرة فغلبوه، و حتى ارتفع إلى بركة الحبش، فنزل على الرصد و استولى على مدينة مصر، و أقام أياما فمال الناس إليه، و انحرفوا عن ضرغام لأمور، فنزل شاور باللوق، و كانت بينه و بين ضرغام حروب آلت إلى إحراق الدور من باب سعادة إلى باب القنطرة خارج القاهرة، و قتل كثير من الفريقين، و اختلّ أمر ضرغام، و انهزم، فملك شاور القاهرة، و قتل ضرغام آخر جمادى الآخرة سنة تسع و خمسين، فأخلف شيركوه ما وعد به السلطان نور الدين، و أمره بالخروج عن مصر، فأبى عليه و اقتتلا.

و كان شيركوه قد بعث بابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى بلبيس، ليجمع له الغلال و غيرها من الأموال، فحشد شاور، و قاتل الشاميين، فجرت وقائع، و احترق وجه الخليج خارج القاهرة بأسره، و قطعة من حارة زويلة، فبعث شاور إلى الفرنج و استنجد بهم فطمعوا في البلاد، و خرج ملكهم مري من عسقلان بجموعه، فبلغ ذلك شيركوه، فرحل عن القاهرة بعد طول محاصرتها، و نزل بلبيس فاجتمع على قتاله بها شاور و ملك الفرنج، و حصروه بها، و كانت إذا ذاك حصينة ذات أسوار، فأقام محصورا مدّة ثلاثة أشهر، و بلغ ذلك نور الدين، فأغار على ما قرب منه من بلاد الفرنج، و أخذها من أيديهم، فخافوه، و وقع الصلح مع شيركوه على عوده إلى الشام، فخرج في ذي الحجة، و لحق بنور الدين، فأقام و في نفسه من مصر أمر عظيم إلى أن دخلت سنة اثنتين و ستين، فجهزه نور الدين إلى مصر في جيش قويّ في ربيع الأوّل، و سيره فبلغ ذلك شاور، فبعث إلى مري ملك الفرنج مستنجدا به، فسار بجموع الفرنج، حتى نزل بلبيس، فوافاه شاور و أقام حتى قدم شيركوه إلى أطراف مصر، فلم يطق لقاء القوم، فسار حتى خرج من إطفيح‏ إلى جهة بلاد الصعيد من ناحية بحر القلزم، فبلغ شاور أنّ شيركوه قد ملك بلاد الصعيد، فسقط في يده، و نهض للفور من بلبيس و معه الفرنج، فكان من حروبه مع شيركوه ما كان حتى انهزم بالأشمونين، و سار منها بعد الهزيمة إلى الإسكندرية فملكها، و أقرّ بها ابن أخيه صلاح الدين، و خرج إلى الصعيد، فخرج شاور بالفرنج و حصر الإسكندرية أشدّ حصار، فسار شيركوه من قوص و نزل على القاهرة، و حاصرها، فرحل إليه شاور، و كانت أمور آلت إلى الصلح و سار شيركوه بمن معه إلى الشام في شوّال، فطمع مري في البلاد، و جعل له شحنة بالقاهرة، و صارت أسوارها بيد فرسان الفرنج، و تقرّر لهم في كل سنة مائة ألف دينار، ثم رحل إلى بلاده، و ترك بالقاهرة من يثق به من الفرنج، و سار شيركوه إلى الشام، فتحكم الفرنج في القاهرة حكما جائرا، و ركبوا المسلمين بالأذى العظيم، و تيقنوا عجز الدولة عن مقاومتهم، و انكشفت لهم‏(صفحه 163)


عورات الناس إلى أن دخلت سنة أربع و ستين، فجمع مري جمعا عظيما من أجناس الفرنج، و أقطعهم بلاد مصر، و سار يريد أخذ مصر، فبعث إليه شاور يسأله عن سبب مسيره، فاعتل بأنّ الفرنج غلبوه على قصد ديار مصر، و أنه يريد ألفي ألف دينار يرضيهم بها، و سار فنزل على بلبيس، و حاصرها حتى أخذها عنوة في صفر، فسبي أهلها، و قصد القاهرة، فسير العاضد كتبه إلى نور الدين، و فيها شعور نسائه و بناته يسأله إنقاذ المسلمين من الفرنج، و سار مري من بلبيس، فنزل على بركة الحبش، و قد انضم الناس من الأعمال إلى القاهرة، فنادى شاور بمصر أن لا يقيم بها أحد، و أزعج الناس في النقلة منها، فتركوا أموالهم و أثقالهم و نجوا بأنفسهم، و أولادهم و قد ماج الناس و اضطربوا كأنما خرجوا من قبورهم إلى المحشر لا يعبأ والد بولده، و لا يلتفت أخ إلى أخيه، و بلغ كراء الدابة من مصر إلى القاهرة بضعة عشر دينارا، و كراء الحمل إلى ثلاثين دينارا، و نزلوا بالقاهرة في المساجد، و الحمامات و الأزقة و على الطرقات، فصاروا مطروحين بعيالهم و أولادهم، و قد سلبوا سائر أموالهم، و ينتظرون هجوم العدوّ على القاهرة بالسيف، كما فعل بمدينة بلبيس، و بعث شاور إلى مصر بعشرين ألف قارورة نفط، و عشرة آلاف مشعل نار، فرّق ذلك فيها، فارتفع لهب النار و دخان الحريق إلى السماء، فصار منظرا مهولا، فاستمرّت النار تأتي على مساكن مصر من اليوم التاسع و العشرين من صفر لتمام أربعة و خمسين يوما، و النّهابة من العبيد، و رجال الأسطول و غيرهم بهذه المنازل في طلب الخبايا، فلما وقع الحريق بمصر، رحل مري من بركة الحبش، و نزل بظاهر القاهرة، مما يلي باب البرقية، و قاتل أهلها قتالا كثيرا، حتى زلزلوا زلزالا شديدا، و ضعفت نفوسهم، و كادوا يؤخذون عنوة، فعاد شاور إلى مقاتلة الفرنج، و جرت أمور آلت إلى الصلح على مال، فبينا هم في جبايته إذ بلغ الفرنج مجي‏ء أسد الدين شيركوه بعساكر الشام من عند السلطان نور الدين محمود، فرحلوا في سابع ربيع الآخر إلى بلبيس، و ساروا منها إلى فاقوس، فصاروا إلى بلادهم بالساحل، و نزل شيركوه بالمقس خارج القاهرة، و كان من قتل شاور، و استيلاء شيركوه على مصر ما كان، فمن حينئذ خربت مصر الفسطاط هذا الخراب الذي هو الآن: كيمان مصر، و تلاشى أمرها، و افتقر أهلها، و ذهبت أموالهم، و زالت نعمهم، فلما استبدّ شيركوه بوزارة العاضد، أمر بإحضار أعيان أهل مصر الذين خلوا عن ديارهم في الفتنة، و صاروا بالقاهرة، و تغمم لمصابهم و سفه رأي شاور في إحراق المدينة، و أمرهم بالعود إليها، فشكوا إليه ما بهم من الفقر و الفاقة و خراب المنازل، و قالوا: إلى أيّ مكان نرجع؟ و في أيّ مكان ننزل و نأوي؟ و قد صارت كما ترى، و بكوا و أبكوا، فوعدهم جميلا، و ترفق بهم و أمر، فنودي في الناس بالرجوع إلى مصر، فتراجع إليها الناس قليلا و عمروا ما حول الجامع إلى أن كانت المحنة من الغلاء و الوباء العظيم في سلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب لسنتي خمس و خمسمائة فخرب من مصر جانب كبير، ثم تحايا الناس بها، و أكثروا من العمارة بجانب(صفحه 164)‏

مصر الغربيّ على شاطى‏ء النيل، لمّا عمّر الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الروضة، و صار بمصر عدّة آدار جليلة، و أسواق ضخمة، فلما كان غلاء مصر و الوباء الكائن في سلطنة الملك العادل: كتبغا سنة ست و تسعين و ستمائة خرب كثير من مساكن مصر، و تراجع الناس بعد ذلك في العمارة إلى سنة تسع و أربعين و سبعمائة، فحدث الفناء الكبير الذي أقفر منه معظم دور مصر، و خربت ثم تحايا الناس من بعد الوباء، و صار ما يحيط بالجامع العتيق، و ما على شط النيل عامرا إلى سنة ست و سبعين و سبعمائة، فشرقت بلاد مصر، و حدث الوباء بعد الغلاء، فخرب كثير من عامر مصر، و لم يزل يخرب شيئا بعد شي‏ء إلى سنة تسعين و سبعمائة، فعظم الخراب في خط زقاق القناديل، و خط النحاسين، و شرع الناس في هدم دور مصر، و بيع أنقاضها، حتى صارت على ما هي عليه الآن، و تلك القرى أهلكناهم لما ظلموا و جعلنا لمهلكهم موعدا.


ذكر ما قيل في مدينة فسطاط مصر


قال ابن رضوان: و المدينة الكبرى اليوم بأرض مصر ذات أربعة أجزاء: الفسطاط، و القاهرة، و الجزيرة، و الجيزة، و بعد هذه المدينة عن خط الاستواء ثلاثون درجة، و الجبل المقطم في شرقيها، و بينها و بين مقابر المدينة. و قد قالت الأطباء: إن أردأ المواضع ما كان الجبل في شرقيه يعوق ريح الصبا عنه، و أعظم أجزائها: هو الفسطاط، و يلي الفسطاط من الغرب: النيل، و على شط النيل الغربيّ أشجار طوال و قصار، و أعظم أجزاء الفسطاط: موضع في غور، فإنه يعلوه من المشرق المقطم، و من الجنوب الشرف، و من الشمال الموضع العالي من عمل فوق، أعني الموقف و العسكر و جامع ابن طولون، و متى نظرت إلى الفسطاط من الشرق أو من مكان آخر عال:

رأيت وضعها في غور. و قد بيّن أبقراط أن المواضع المتسفلة: أسخن من المواضع المرتفعة، و أردأ هواء لاحتقان البخار فيها، و لأن ما حولها من المواضع العالية يعوق تحليل الرياح لها، و أزقة الفسطاط و شوارعها ضيقة، و أبنيتها عالية، و قد قال روفس: إذا دخلت مدينة، فرأيتها ضيقة الأزقة مرتفعة البناء، فاهرب منها لأنها و بيئة أراد أن البخار لا ينحل منها كما ينبغي لضيق الأزقة و ارتفاع البناء. و من شأن أهل الفسطاط أن يرموا ما يموت في دورهم من السنانير و الكلاب، و نحوها من الحيوان الذي يخالط الناس في شوارعهم و أزقتهم فتعفن، و تخالط عفونتها الهواء، و من شأنهم أيضا: أن يرموا في النيل الذي يشربون منه فضول حيواناتهم و جيفها، و خرّارا كنفهم تصب فيه، و ربما انقطع جري الماء، فيشربون هذه العفونة باختلاطها بالماء، و في خلال الفسطاط مستوقدات عظيمة يصعد منها في الهواء دخان مفرط، و هي أيضا كثيرة الغبار لسخانة أرضها، حتى أنك ترى الهواء في أيام الصيف كدرا يأخذ بالنفس، و يتسخ الثوب(صفحه 165)‏

النظيف في اليوم الواحد، و إذا مرّ الإنسان في حاجة لم يرجع إلّا و قد اجتمع في وجهه و لحيته غبار كثير، و يعلوها في العشيات خاصة في أيام الصيف بخار كدر أسود و أغبر، سيّما إذا كان الهواء سليما من الرياح، و إذا كانت هذه الأشياء كما وصفنا، فمن البيّن أنه يصير الروح الحيوانيّ الذي فيها حالة كهذه الحال، فيتولد إذا في البدن من هذه الأعراض فضول كثيرة، و استعدادات نحو العفن إلّا أنّ ألف أهل الفسطاط لهذه الحال، و أنسهم بها يعوق عنهم أكثر شرّها، و إن كانوا على كل حال أسرع أهل مصر وقوعا في الأمراض، و ما يلي النيل من الفسطاط، يجب أن يكون أرطب مما يلي الصحراء، و أهل الشرق أصلح حالا لتخرّق الرياح لدورهم، و كذلك عمل فوق و الحمراء، إلّا أن أهل الشرف الذي يشربونه أجود لأنه يستقى قبل أن تخالطه عفونة الفسطاط، فأمّا القرافة فأجود هذه المواضع، لأن المقطم يعوق بخار الفسطاط من المرور بها، و إذا هبت ريح الشمال مرّت بأجزاء كثيرة من بخار الفسطاط، و القاهرة على الشرف، فغيرت حاله، و ظاهر أن المواضع المكشوفة في هذه المدينة هي أصح هواء، و كذلك حال المواضع المرتفعة، و أردأ موضع في المدينة الكبرى هو ما كان من الفسطاط حول الجامع العتيق إلى ما يلي النيل و السواحل، و إذا كان في الشتاء و أوّل الربيع حمل من بحر الملح سمك كثير، فيصل إلى هذه المدينة، و قد عفن، و صارت له رائحة منكرة جدّا، فساغ في القاهرة، و يأكله أهلها و أهل الفسطاط، فيجتمع في أبدانهم منه فضول كثيرة عفنة، فلو لا الاعتدال أمزجتهم و صحة أبدانهم في هذا الزمان لكان ذلك يولد في أبدانهم أمراضا كثيرة، قاتلة، إلّا أن قوّة الاستمرار تعوق عن ذلك، و ربما انقطع النيل في آخر الربيع، و أوّل الصيف من جهة الفسطاط، فيعفن بكثرة ما يلقي فيه إلى أن يبلغ عفنه إلى أن تصير له رائحة منكرة محسوسة، و ظاهر أن هذا الماء إذا صار على هذه الحال، غيّر مزاج الناس تغيرا محسوسا. قال: فمن البيّن أن أهل هذه المدينة الكبرى بأرض مصر أسرع وقوعا في الأمراض من جميع أهل هذه الأرض ما خلا أهل الفيوم، فإنها أيضا قريبة، و أردأ ما في المدينة: الموضع الغائر من الفسطاط، و لذلك غلب على أهلها الحين، و قلة الكرم، و أنه ليس أحد منهم يغيث، و لا يضيف الغريب إلا في النادر، و صاروا من السعاية و الاغتياب على أمر عظيم، و لقد بلغ بهم الجبن إلى أنّ خمسة أعوان تسوق منهم مائة رجل و أكثر، و يسوق الأعوان المذكورين: رجل واحد من أهل البلدان الأخر، و ممن قد تدرّب في الحرب، فقد استبان إذا العلة و السبب في أن صار أهل المدينة الكبرى بأرض مصر أسرع وقوعا في الأمراض من جميع أهل هذه الأرض، و أضعف أنفسا، و لعل لهذا السبب اختار القدماء: اتخاذ المدينة في غير هذا الموضع، فمنهم من جعلها بمنف، و هي: مصر القديمة، و منهم من جعلها بالإسكندرية، و منهم من جعلها بغير هذه المواضع، و يدل على ذلك آثارهم. و قال ابن سعيد عن كتاب الكمائم: و أما فسطاط مصر فإنّ مبانيها كانت في القديم(صفحه 166)‏

متصلة بمباني مدينة عين شمس، و جاء الإسلام، و بها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن، و عليه نزل عمرو بن العاص، و ضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه، ثم لما فتحها: قسم المنازل على القبائل، و نسبت المدينة إليه، فقيل: فسطاط عمرو، و تداولت عليها بعد ذلك ولاة مصر، فاتخذوها سريرا للسلطنة و تضاعفت عمارتها، فأقبل الناس من كل جانب إليها، و قصروا أمانيهم عليها إلى أن رسخت بها دولة بني طولون، فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة بالقطائع، و بها كان مسجد ابن طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة، و هي مدينة مستطيلة يمرّ النيل مع طولها، و يحط في ساحلها المراكب الآتية من شمال النيل، و جنوبه بأنواع الفوائد، و لها منتزهات، و هي في الإقليم الثالث، و لا ينزل فيها مطر إلّا في النار، و ترابها تثيره الأرجل، و هو قبيح اللون تتكدّر منه أرجاؤها و يسوء بسببه هواؤها، و لها أسواق ضخمة إلّا أنّها ضيقة و مبانيها بالقصب، و الطوب طبقة على طبقة، و مذ بنيت القاهرة، ضعفت مدينة الفسطاط، و فرّط في الاغتباط بها بعد الإفراط، و بينهما نحو ميلين، و أنشد فيها الشريف العقيلي:

أحنّ إلى الفسطاط شوقا و إنني‏ لأدعو لها أن لا يحلّ بها القطر
و هل في الحيا من حاجة لجنابها و في كل قطر من جوانبها نهر
تبدّت عروسا و المقطم تاجها و من نيلها عقد كما انتظم الدر


و قال عن كتاب آخر: فالفسطاط هي قصبة مصر، و الجبل المقطم شرقها، و هو متصل بجبل الزمرّذ. و قال عن كتاب ابن حوقل: و الفسطاط مدينة حسنة ينقسم النيل لديها، و هي كبيرة نحو ثلث بغداد، و مقدارها نحو فرسخ على غاية العمارة و الطيبة و اللذة، ذات رحاب في محالها، و أسواق عظام فيها ضيق، و متاجر فخام، و لها ظاهر أنيق و بساتين نضرة، و منتزهات على ممرّ الأيام خضرة، و في الفسطاط قبائل، و خطط للعرب تنسب إليها كالبصرة و الكوفة إلا أنها أقل من ذلك، و هي سبخة الأرض غير نقية التربة، و تكون بها الدار سبع طبقات و ستا و خمسا، و ربما يسكن في الدار المائتان من الناس، و معظم بنيانهم بالطوب، و أسفل دورهم غير مسكون، و بها مسجدان للجمعة: بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط، و الآخر على الموقف بناه أحمد بن طولون، و كان خارج الفسطاط أبنية بناها أحمد بن طولون ميلا في ميل يسكنها جنده تعرف بالقطائع، كما بنى بنو الأغلب خارج القيروان و قادة، و قد خربتا في وقتنا هذا، و أخلف اللّه بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة. قال ابن سعيد: و لما استقررت بالقاهرة تشوّقت إلى معاينة الفسطاط، فسار معي أحد أصحاب العزمة، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط(صفحه 167)

جملة عظيمة لا عهد لي بمثلها في بلد، فركب منها حمارا، و أشار إليّ أن اركب حمارا آخر، فأنفت من ذلك جريا على عادة ما خلّفته في بلاد المغرب، فأعلمني أنه غير معيب على أعيان مصر، و عاينت الفقهاء و أصحاب البزة و السادة الظاهرة يركبونها فركبت، و عندما استويت راكبا أشار المكاري على الحمار، فطار بي، و أثار من الغبار الأسود، ما أعمى عيني، و دنس ثيابي، و عاينت ما كرهته، و لقلة معرفتي بركوب الحمار، و شدّة عدوه على قانون لم أعهده، و قلة رفق المكاري، وقفت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج فقلت:

لقيت بمصر أشدّ البوار ركوب الحمار و كحل الغبار
و خلفي مكار يفوق الريا ح لا يعرف الرفق بهمي استطار
أناديه مهلا فلا يرعوي إلى أن سجدت سجود العثار
و قد مدّ فوقي رواق الثرى و ألحد فيه ضياء النهار


فدفعت إلى المكاري أجرته، و قلت له: إحسانك إليّ أن تتركني أمشي على رجليّ، و مشيت إلى أن بلغتها، و قدّرت الطريق بين القاهرة و الفسطاط، و حققت بعد ذلك نحو الميلين، و لما أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرّة، و تأمّلت أسوار مثلمة سوداء، و آفاقا مغبرّة، و دخلت من بابها، و هو دون غلق مفض إلى خراب معمور بمبان سيئة الوضع غير مستقيمة الشوارع، قد بنيت من الطوب الأدكن و القصب، و النخيل طبقة فوق طبقة، و حول أبوابها من التراب الأسود، و الأزبال ما يقبض نفس النظيف، و يغض طرف الطريف، فسرت و أنا معاين لاستصحاب تلك الحال إلى أن سرت في أسواقها الضيقة، فقاسيت من ازدحام الناس فيها بحوائج السوق و الروايا التي على الجمال ما لا يفي به إلّا مشاهدته و مقاساته إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع، فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضدّه في جامع إشبيلية، و جامع مراكش، ثم دخلت إليه فعاينت جامعا كبيرا قديم البناء غير مزخرف، و لا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه، و تبسط فيه، و أبصرت العامّة رجالا و نساء قد جعلوه معبرا بأوطئة أقدامهم يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق، و البياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات و الكعك، و ما جرى مجرى ذلك، و الناس يأكلون منه في أمكنة عديدة غير محتشمين لجري العادة عندهم بذلك، و عدّة صبيان بأواني ماء يطوفون على من يأكل قد جعلوا ما يحصل لهم منهم رزقا، و فضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع، و في زواياه و العنكبوت قد عظم نسجه في السقوف و الأركان و الحيطان، و الصبيان يلعبون في صحنه، و حيطانه مكتوبة بالفحم، و الحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامّة إلّا أن مع هذا كله على الجامع المذكور من الرونق، و حسن القبول، و انبساط النفس، ما لا تجده في جامع إشبيلية مع زخرفته، و البستان الذي في صحنه، و قد تأمّلت ما وجدت فيه من الارتياح و الأنس دون منظر يوجب ذلك، فعلمت أنه سرّ مودع من(صفحه 168)‏

وقوف الصحابة رضوان اللّه عليهم في ساحته عند بنائه، و استحسنت ما أبصرته فيه من حلق المصدّرين لإقراء القرآن و الفقه و النحو في عدّة أماكن، و سألت عن موارد أرزاقهم، فأخبرت أنها من فروض الزكاة، و ما أشبه ذلك. ثم أخبرت أن اقتضاءها يصعب إلا بالجاه و التعب، ثم انفصلنا من هنالك إلى ساحل النيل، فرأيت ساحلا كدر التربة غير نظيف، و لا متسع الساحة، و لا مستقيم الاستطالة، و لا عليه سور أبيض، إلّا أنه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب، و أصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار الأرض و النيل، و لئن قلت إني لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل، فإني أقول حقا و النيل هنا لك ضيق لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته قد توسطت الماء و مالت إلى جهة الفسطاط، و بحسن سورها المبيض الشامخ: حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل، و قد ذكر ابن حوقل‏ الجسر الذي يكون ممتدّا من الفسطاط إلى الجزيرة، و هو غير طويل، و من الجانب الآخر إلى البرّ الغربيّ المعروف ببرّ الجيزة جسر آخر من الجزيرة إليه، و أكثر جواز الناس بأنفسهم و دوابهم في المراكب لأن هذين الجسرين قد احترما بحصولهما في حيز قلعة السلطان، و لا يجوز أحد على الجسر الذي بين الجزيرة و الفسطاط راكبا احتراما لموضع السلطان، و يتنافى ليلة ذلك اليوم بطيارة مرتفعة على جانب النيل فقلت:

نزلنا من الفسطاط أحسن منزل بحيث امتداد النيل قد دار كالعقد
و قد جمعت فيه المراكب سحرة كسرب قطا أضحى يزف على ورد
و أصبح يطغى الموج فيه و يرتمي و يطغو حنانا و هو يلعب بالنرد
غدا ماؤه كالريق ممن أحبه‏ فمدّت عليه حلية من حلي الخدّ
و قد كان مثل الزهر من قبل مدّة فأصبح لما زاده المدّ كالورد

قلت: هذا لأني لم أذق في المياه أحلى من مائه، و أنه يكون قبل المدّ الذي يزي به، و يفيض على أقطاره أبيض، فإذا كان عباب النيل صار أحمر. و أنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط و أهلها:

حبذا الفسطاط من والدة جنبت أولادها درّ الجفا
يرد النيل إليها كدرا فإذا مازج أهليها صفا
لطفوا فالمزن لا يألفهم خجلا لما رآهم ألطفا

و لم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط، حتى أنهم ألطف من أهل القاهرة، و بينهما نحو ميلين، و جملة الحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة و اللين في الكلام،(صفحه 169)

و تحت ذلك من الملق، و قلة المبالاة برعاية قدم الصحبة، و كثرة الممازجة و الألفة ما يطول ذكره، و أما ما يرد على الفسطاط من متاجر البحر الإسكندرانيّ، و البحر الحجازي، فإنه فوق ما يوصف، و بها مجمع ذلك لا بالقاهرة، و منها تجهز إلى القاهرة، و سائر البلاد، و بالفسطاط مطابخ السكر و الصابون، و معظم ما يجري هذا المجرى، لأن القاهرة بنيت للاختصاص بالجند، كما أنّ جميع زيّ الجند بالقاهرة أعظم منه بالفسطاط و كذلك ما ينسج، و يصاغ و سائر ما يعمل من الأشياء الرفيعة السلطانية، و الخراب في الفسطاط كثير، و القاهرة أجدّ و أعمر، و أكثر زحمة بسبب انتقال السلطان إليها، و سكنى الأجناد فيها، و قد نفخ روح الاعتناء و النموّ في مدينة الفسطاط الآن لمجاورتها للجزيرة الصالحية، و كثير من الجند قد انتقل إليها للقرب من الخدمة، و بنى على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر، يعني ابن سعيد: ما بني على شقة مصر من جهة النيل.


ذكر ما عليه مدينة مصر الآن وصفتها

قد تقدّم من الأخبار جملة تدل على عظم ما كان بمدينة فسطاط مصر من المباني و كثرتها، ثم الأسباب التي أوجبت خرابها، و آخر ما رأيت من الكتب التي صنفت في خطط مصر كتاب إيقاظ المتغفل، و اتعاظ المتأمّل تأليف: القاضي الرئيس تاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج الزبيريّ رحمه اللّه، و قطع على سنة خمس و عشرين و سبعمائة، فذكر من الأخطاط المشهورة بذاتها لعهده اثنين و خمسين خطا، و من الحارات ثنتي عشرة حارة، و من الأزقة المشهورة: ستة و ثمانين زقاقا، و من الدروب المشهورة: ثلاثة و خمسين دربا، و من الخوخ المشهورة: خمسا و عشرين خوخة، و من الأسواق المشهورة: تسعة عشر سوقا، و من الخطط المشهورة بالدور: ثلاثة عشر خطا، و من الرحاب المشهورة: خمس عشرة رحبة، و من العقبات المشهورة: إحدى عشرة عقبة، و من الكيمان المسماة: ستة كيمان، و من الأقباء: عشرة أقباء، و من البرك: خمس برك، و من السقائف: خمسا و ستين سقيفة، و من القياسر: سبع قياسر، و من مطابخ السكر العامرة: ستة و ستين مطبخا، و من الشوارع: ستة شوارع، و من المحارس: عشرين محرسا، و من الجوامع التي تقام فيها الجمعة بمصر، و ظاهرها من الجزيرة، و القرافة: أربعة عشر جامعا، و من المساجد: أربعمائة و ثمانين مسجدا، و من المدارس: سبع عشرة مدرسة، و من الزوايا: ثماني زوايا، و من الربط التي بمصر و القرافة: بضعا و أربعين رباطا، و من الأحباس و الأوقاف كثيرا، و من الحمامات: بضعا و سبعين حماما، و من الكنائس و ديارات النصارى: ثلاثين ما بين دير و كنيسة، و قد باد أكثر ما ذكره و دثر، و سيرد ما قاله من ذلك في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى. فأقول: إنّ مدينة مصر محدودة الآن بحدود أربعة: فحدّها الشرقيّ اليوم: من قلعة الجبل، و أنت آخذ إلى باب القرافة، فتمرّ من داخل السور الفاصل بين القرافة، و مصر إلى(صفحه 170)‏

كوم الجارح، و تمرّ من كوم الجارح، و تجعل كيمان مصر كلها عن يمينك حتى تنتهي إلى الرصد حيث أوّل بركة الحبش، فهذا طول مصر من جهة المشرق، و كان يقال لهذه الجهة عمل فوق. و حدّها الغربي: من قناطر السباع خارج القاهرة إلى موردة الحلفاء، و تأخذ على شاطى‏ء النيل إلى دير الطين، فهذا أيضا طولها من جهة المغرب. و حدّها القبليّ من شاطى‏ء النيل بدير الطين حيث ينتهي الحدّ الغربيّ إلى بركة الحبش تحت الرصد، حيث انتهى الحدّ الشرقيّ، فهذا عرض مصر من جهة الجنوب التي تسميها أهل مصر الجهة القبلية.

و حدّها البحريّ: من قناطر السباع حيث ابتداء الحدّ الغربيّ إلى قلعة الجبل، حيث ابتداء الحدّ الشرقيّ، فهذا عرض مصر من جهة الشمال التي تعرف بمصر بالجهة البحرية، و ما بين هذه الجهات الأربع فإنه يطلق عليه الآن مصر، فيكون أوّل عرض مصر في الغرب بحر النيل، و آخر عرضها في الشرق أوّل القرافة، و أوّل طولها من قناطر السباع، و آخره بركة الحبش، فإذا عرفت ذلك ففي الجهة الغربية خط السبع سقايات، و يجاوره الخليج، و عليه من شرقيه حكر أقبغا، و من غربيه المريس، و منشأه المهرانيّ، و يحاذي المنشأة من شرقيّ الخليج خط قنطرة السدّ، و خط بين الزقّاقين، و خط موردة الحلفاء، و خط الجامع الجديد، و من شرقيّ خط الجامع الجديد خط المراغة، و يتصل به خط الكبارة، و خط المعاريج، و يجاوز خط الجامع الجديد من بحريه الدور التي تطلّ على النيل، و هي متصلة إلى جسر الأفرم المتصل بدير الطين و ما جاوره إلى بركة الحبش، و هذه الجهة هي أعمر ما في مصر الآن، و أما الجهة الشرقية، فليس فيها شي‏ء عامر إلّا قلعة الجبل، و خط المراغة المجاور لباب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة، و يجاور خط مشهد السيدة نفيسة من قبليه الفضاء الذي كان موضع الموقف، و العسكر إلى كوم الجارح، ثم خط كوم الجارح، و ما بين كوم الجارح إلى آخر حدّ طول مصر عند بركة الحبش تحت الرصد، فإنه كيمان، و هي الخطط التي ذكرها القضاعيّ، و خربت في الشدّة العظمى زمن المستنصر، و عند حريق شاور لمصر كما تقدّم، و أما عرض مصر الذي من قناطر السباع إلى القلعة، فإنه عامر و يشتمل على بركة الفيل الصغرى، بجوار خط السبع سقايات، و يجاور الدور التي على هذه البركة من شرقيها خط الكبش، ثم خط جامع أحمد بن طولون، ثم خط القبيبات، و ينتهي إلى الفضاء الذي يتصل بقلعة الجبل، و أما عرض مصر الذي من شاطى‏ء النيل بخط دير الطين إلى تحت الرصد حيث بركة الحبش، فليس فيه عمارة سوى خط دير الطين، و ما عدا ذلك فقد خرب بخراب الخطط، و كان فيه خط بني وائل، و خط راشدة، فأما خط السبع سقايات: فإنه من جملة الحمراء الدنيا، و سيرد عند ذكر الأخطاط إن شاء اللّه تعالى، و ما عدا ذلك فإنه يتبين من ذكر ساحل مصر.(صفحه 171)


ذكر ساحل النيل بمدينة مصر


قد تقدّم أنّ مدينة فسطاط مصر اختطها المسلمون حول جامع عمرو بن العاص، و قصر الشمع، و أنّ بحر النيل كان ينتهي إلى باب قصر الشمع الغربيّ المعروف بالباب الجديد، و لم يكن عند فتح أرض مصر بين جامع عمرو و بين النيل حائل، ثم انحسر ماء النيل عن أرض تجاه الجامع، و قصر الشمع، فابتنى فيها عبد العزيز بن مروان، و حاز منه بشر بن مروان لما قدم على أخيه عبد العزيز، ثم حاز منه هشام بن عبد الملك في خلافته، و بنى فيه، فلما زالت دولة بني أمية قبض ذلك في الصوافي، ثم أقطعه الرشيد السريّ بن الحكم، فصار في يد ورثته من بعده يكترونه، و يأخذون حكره، و ذلك أنه كان قد اختط فيها المسلمون شيئا بعد شي‏ء و صار شاطى‏ء النيل بعد انحساره ماء النيل عن الأرض المذكورة حيث الموضع الذي يعرف اليوم بسوق المعاريج. قال القضاعيّ: كان ساحل أسفل الأرض بإزاء المعاريج القديم، و كانت آثار المعاريج قائمة سبع درج حول ساحل البيما إلى ساحل البوريّ اليوم، فعرف ساحل البوريّ بالمعاريج الجديد، يعني بالمعاريج الجديد: موضع سوق المعاريج اليوم، و كان من جملة خطط مدينة فسطاط مصر: الحمراوات الثلاث، فالحمراء الأولى من جملتها سوق وردان، و كان يشرف بغربيه على النيل، و يجاوره: الحمراء الوسطى، و من بعضها الموضع الذي يعرف اليوم بالكبارة، و كانت على النيل أيضا، و بجانب الكبارة: الحمراء القصوى، و هي من بحريّ الحمراء الوسطى إلى الموضع الذي هو اليوم: خط قناطر السباع، و من جملة الحمراء القصوى: خط خليج مصر من حدّ قناطر السباع إلى تجارة قنطرة السدّ من شرقيها، و بآخر الحمراء القصوى: الكبش و جبل يشكر، و كان الكبش يشرف على النيل من غربيه، و كان الساحل القديم، فيما بين سوق المعاريج اليوم إلى دار التفاح بمصر، و أنت مارّ إلى باب مصر بجوار الكبارة، و موضع الكوم المجاور لباب مصر من شرقيه، فلما خربت مصر بحريق شاور بن مجير إياها صار هذا الكوم من حينئذ، و عرف بكوم المشانيق، فأنه كان يشنق بأعلاه أرباب الجرائم، ثم بنى الناس فوقه دورا فعرف إلى يومنا هذا بكوم الكبارة، و كان يقال لما بين سوق المعاريج، و هذا الكوم لما كان ساحل النيل القالوص‏. قال القضاعيّ: رأيت بخط جماعة من العلماء القالوص: بألف، و الذي يكتب في هذا الزمان القلوص بحذف الألف، فأما القلوص: بحذف الألف، فهي من الإبل و النعام الشابة، و جمعها قلص، و قلاص و قلائص، و القلوص من الحباري الأنثى الصغيرة، فلعل هذا المكان سمي بالقلوص لأنه في مقابلة الجمل الذي كان على باب الريحان الذي يأتي ذكره في(صفحه 172)‏

عجائب مصر، و أما القالوص بالألف: فهي كلمة رومية و معناها بالعربية: مرحبا بك، و لعل الروم كانوا يصفقون لراكب هذا الجمل، و يقولون هذه الكلمة على عاداتهم. و قال ابن المتوّج: و الساحل القديم أوّله من باب مصر المذكور يعني المجاور للكبارة، و إلى المعاريج جميعه كان بحرا يجري فيه ماء النيل، و قيل: إنّ سوق المعاريج كان موردة سوق السمك يعني ما ذكره القضاعيّ من أنه كان يعرف بساحل البوريّ، ثم عرف بالمعاريج الجديد. قال ابن المتوّج‏: و نقل أنّ بستان الجرف المقابل لبستان حوض ابن كيسان كان صناعة العمارة، و أدركت أنا فيه بابها، و رأيت زريبة من ركن المسجد المجاور للحوض من غربيه تتصل إلى قبالة مسجد العادل الذي بمراغة الدواب الآن.

قال مؤلفه رحمه اللّه: بستان الجرف يعرف بذلك إلى اليوم، و هو على يمنة من سلك إلى مصر من طريق المراغة، و هو جار في وقف الخانقاه التي تعرف بالواصلة بين الزقاقين، و حوض ابن كيسان يعرف اليوم: بحوض الطواشي، تجاه غيط الجرف المذكور، يجاوره بستان ابن كيسان الذي صار صناعة، و قد ذكر خبر هذه الصناعة عند ذكر مناظر الخلفاء، و يعرف بستان ابن كيسان اليوم ببستان الطواشي أيضا، و بين بستان الجرف، و بستان الطواشي هذا مراغة مصر المسلوك منها إلى الكبارة، و باب مصر. قال ابن المتوّج: و رأيت من نقل عمن نقل عمن رأى هذا القلوص يتصل إلى آدر الساحل القديم، و أنه شاهد ما عليه من العمائر المطلة على بحر النيل من الرباع و الدور المطلة، و عدّ الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على بحر النيل، فكانت عدّتها ستة عشر ألف سطل مؤبدة ببكر مؤبدة فيها أطناب ترخى بها و تملأ أخبرني بذلك من أثق بنقله، و قال: إنه أخبره به من يثق به متصلا بالمشاهد له الموثوق به، قال: و باب مصر الآن بين البستان الذي قبليّ الجامع الجديد يعني بستان العالمة، و بين كوم المشانيق يعني كوم الكبارة، و رأيت السور يتصل به إلى دار النحاس، و جميع ما بظاهره شون، و لم يزل هذا السور القديم الذي هو قبليّ بستان العالمة موجودا أراه و أعرفه إلى أن اشترى أرضه من باب مصر إلى موقف المكارية بالخشابين القديمة الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري، فأجّر مكانه للعامة، و صار كل من استأجر قطعة هدم ما بها من البناء بالطوب اللبن، و قلع الأساس الحجر، و بنى به، فزال السور المذكور، ثم حدث الساحل الجديد. قال مؤلفه رحمه اللّه: و هذا الباب الذي ذكره ابن المتوّج كان يقال له: باب الساحل، و أوّل حفر ساحل مصر في سنة ست و ثلاثين و ثلثمائة، و ذلك أنه جف النيل عن برّ مصر(صفحه 173)

حتى احتاج الناس أن يستقوا من بحر الجيزة الذي هو فيما بين جزيرة مصر التي تدعى الآن بالروضة، و بين الجيزة، و صار الناس يمشون هم و الدواب إلى الجزيرة، فحفر الأستاذ كافور الإخشيديّ، و هو يومئذ مقدّم أمراء الدولة لأونوجور بن الإخشيد خليجا حتى اتصل بخليج بني وائل، و دخل الماء إلى ساحل مصر، ثم إنه لما كان قبل سنة ستمائة تقلص الماء عن ساحل مصر القديمة، و صار في زمن الاحتراق يقل حتى تصير الطريق إلى المقاييس يبسا، فلما كان في سنة ثمان و عشرين و ستمائة خاف السلطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب من تباعد البحر عن العمران بمصر، فاهتم بحفر البحر من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التمر الفاضلية، و عمل فيه بنفسه فوافقه على العمل في ذلك الجمّ الغفير، و استوى في المساعدة السوقة، و الأمير، و قسط مكان الحفر على الدور بالقاهرة و مصر و الروضة و المقياس، فاستمرّ العمل فيه من مستهلّ شعبان إلى سلخ شوّال مدّة ثلاثة أشهر حتى صار الماء يحيط بالمقياس، و جزيرة الروضة دائما بعد ما كان عند الزيادة يصير جدولا رقيقا في ذيل الروضة، فإذا اتصل ببحر بولاق في شهر أبيب كان ذلك من الأيام المشهودة بمصر، فلما كانت أيام الملك الصالح، و عمر قلعة الروضة، أراد أن يكون الماء طول السنة كثيرا فيما دار بالروضة، فأخذ في الاهتمام بذلك، و غرّق عدّة مراكب مملوءة بالحجارة في برّ الجيزة تجاه باب القنطرة خارج مدينة مصر، و من قبليّ جزيرة الروضة، فانعكس الماء، و جعل البحر حينئذ يمرّ قليلا قليلا، و تكاثر أوّلا فأوّلا في برّ مصر من دار الملك إلى قريب المقس، و قطع المنشأة الفاضلية. قال ابن المتوّج عن موضع الجامع الجديد: و كان في الدولة الصالحية، يعني الملك الصالح نجم الدين أيوب: رملة تمرّغ الناس فيها الدواب في زمن احتراق النيل، و جفاف البحر الذي هو أمامها، فلما عمر السلطان الملك الصالح قلعة الجزيرة، و صار في كل سنة يحفر هذا البحر بجنده و نفسه، و يطرح بعض رمله في هذه البقعة، شرع خواص السلطان في العمارة على شاطى‏ء هذا البحر، فذكر من عمّر على هذا البحر من قبالة موضع الجامع الجديد الآن إلى المدرسة المعزية، و ذكر ما وراء هذه الدور من بستان العالمة المطل عليه الجامع الجديد و غيره، ثم قال: و إنما عرف بالعالمة لأنه كان قد حله السلطان الملك الصالح لهذه العالمة، فعمرت بجانبه منظرة لها، و كان الماء يدخل من النيل لباب المنظرة المذكورة، فلما توفيت بقي البستان مدّة في يد ورثتها، ثم أخذ منهم، و ذكر أن بقعة الجامع الجديد كانت قبل عمارته شونا للأتبان السلطانية، و كذلك ما يجاورها، فلما عمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد كثرت العمائر من حدّ موردة الحلفاء على شاطى‏ء النيل، حتى اتصلت بدير الطين، و عمر أيضا ما وراء الجامع من حدّ باب مصر الذي كان بحرا كما تقدّم إلى حدّ قنطرة السدّ، و أدركنا ذلك كله على غاية العمارة، و قد اختل منذ الحوادث بعد سنة ست و ثمانمائة، فخرب خط بين الزقاقين المطل من غربيه على الخليج،(صفحه 174)

و من شرقيه على بستان الجرف، و لم يبق به إلا القليل من الدور، و موضعه كما تقدّم كان في قديم الزمان غامرا بماء النيل، ثم ربى جرفا، و هو بين الزقاقين المذكور، فعمر عمارة كبيرة، ثم خرب الآن و خرب أيضا خط موردة الحلفاء، و كان في القديم غامرا بالماء، فلما ربى النيل الجرف المذكور، و تربت الجزيرة قدّام الساحل القديم الذي هو الآن البكارة إلى المعاريج، و أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد عمرت موردة الحلفاء هذه، و اتصلت من بحريها بمنشأة المهرانيّ، و من قبليها بالأملاك التي تمتدّ من تجاه الجامع الجديد إلى دير الطين، و صارت موردة الحلفاء عظيمة تقف عندها المراكب بالغلال و غيرها، و يملأ منها الناس الروايا، و كان البحر لا يبرح طول السنة هناك، ثم صار ينشّف في فصل الربيع و الصيف، و استمرّ على ذلك إلى يومنا هذا، و خراب ما خلف الجامع الجديد أيضا من الأماكن التي كانت بحرا تجاه الساحل القديم، ثم لما انحسر الماء صارت مراغة للدواب، فعرفت اليوم بالمراغة و هي من آخر خط قنطرة السدّ إلى قريب من الكبارة، و يحصرها من غربيها بستان الجرف المقدّم ذكره، و عدّة دور كانت بستانا و شونا إلى باب مصر، و من شرقيها بستان ابن كيسان الذي صار صناعة، و عرف الآن ببستان الطواشي، و لم يبق الآن بخط المراغة إلّا مساكن يسيرة حقيرة.


ذكر المنشأة

اعلم أن خليج مصر كان يخرج من بحر النيل، فيمرّ بطريق الحمراء القصوى، و كان في الجانب الغربيّ من هذا الخليج عدّة بساتين من جملتها بستان، عرف ببستان الخشاب، ثم خرب هذا البستان، و موضعه الآن يعرف: بالمريس، فلما كان بعد الخمسمائة من سني الهجرة انحسر النيل عن أرض فيما بين ميدان اللوق الآتي ذكره في الأحكار ظاهر القاهرة إن شاء اللّه تعالى، و بين بستان الخشاب المذكورة، فعرفت هذه الأرض بمنشأة الفاضل، لأنّ القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ أنشأ بها بستانا عظيما كان يمير أهل القاهرة من ثماره و أعنابه، و عمر بجانبه جامعا، و بنى حوله فقيل لتلك الخطة منشأة الفاضل، و كثرت بها العمارة، و أنشأ بها موفق الدين محمد بن أبي بكر المهدويّ العثمانيّ الديباجيّ بستانا دفع له فيه ألف دينار في أيام الظاهر بيبرس، و كان الصرف قد بلغ كل دينار ثمانية و عشرين درهما و نصفا، فاستولى البحر على بستان الفاضل و جامعه، و على سائر ما كان بمنشأة الفاضل من البساتين و الدور، و قطع ذلك حتى لم يبق لشي‏ء منه أثر، و ما برح باعة العنب بالقاهرة و مصر تنادي على العنب بعد خراب بستان الفاضل هذا عدّة سنين: رحم اللّه الفاضل يا عنب، إشارة لكثرة أعناب بستان الفاضل و حسنها، و كان أكل البحر لمنشأة الفاضل هذه بعد سنة ستين و ستمائة، و كان الموفق الديباجيّ المذكور يتولى خطابة جامع الفاضل الذي كان بالمنشأة، فلم تلف الجامع باستيلاء النيل عليه سأل: الصاحب بهاء الدين بن حنا، و ألحّ عليه و كان من ألزامه، حتى قام في عمارة الجامع بمنشأة المهرانيّ، و منشأة المهرانيّ هذه(صفحه 175)‏

موضعها فيما بين النيل و الخليج، و فيها من الحمراء القصوى فوهة الخليج انحسر عنها ماء النيل قديما و عرف موضعها بالكوم الأحمر من أجل أنه كان يعمل فيها أقمنة الطوب، فلما سأل الصاحب بهاء الدين بن حنا الملك الظاهر بيبرس في عمارة جامع بهذا المكان ليقوم مقام الجامع الذي كان بمنشأة الفاضل أجابه إلى ذلك، و أنشأ الجامع بخط الكوم الأحمر كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع، فأنشأ هناك الأمير سيف الدين بلبان المهرانيّ دارا و سكنها، و بنى مسجدا، فعرفت هذه الخطة به، و قيل لها: منشأة المهرانيّ، فإنّ المهرانيّ المذكور أوّل من ابتنى فيها بعد بناء الجامع، و تتابع الناس في البناء بمنشأة المهرانيّ و أكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة سوى من كان هناك من الوزراء، و أماثل الكتاب، و أعيان القضاة، و وجوه الناس، و لم تزل على ذلك حتى انحسر الماء عن الجهة الشرقية فخربت، و بها الآن بقية يسيرة من الدور، و يتصل بخط الجامع الجديد خط دار النحاس، و هو مطلّ على النيل، و دار النحاس هذه من الدور القديمة، و قد دثرت، و صار الخط: يعرف بها.

قال القضاعيّ:دار النحاس اختطها: وردان مولى عمرو بن العاص، فكتب مسلمة بن مخلد، و هو أمير مصر إلى معاوية يسأله أن يجعلها ديوانا، فكتب معاوية إلى وردان يسأله فيها، و عوّضه فيها دار وردان التي بسوقه الآن، و قال ربيعة: كانت هذه الدار من خطة الحجر من الأزد، فاشتراها عمر بن مروان، و بناها، فكانت في يد ولده، و قبضت عنهم و بيعت في الصوافي سنة ثمان و ثلثمائة، ثم صارت إلى شمول الإخشيديّ، فبناها قيسارية و حماما، فصارت دار النحاس قيسارية شمول.

و قال ابن المتوّج: دار النحاس خط نسب لدار النحاس، و هو الآن فندق الأشراف ذو البابين أحدهما من رحبة أمامه، و الثاني شارع بالساحل القديم، و بآخر هذه الشقة التي تطل على النيل (جسر الأفرم)، و هو في طرف مصر فيما بين المدرسة المعزية، و بين رباط الآثار كان مطلا على النيل دائما، و الآن ينحسر الماء عنه عند هبوط النيل، و عرف بالأمير عز الدين أيدمر الأفرم الصالحيّ النجميّ أمير جندار، و ذلك أنه لما استأجر بركة الشعيبية، كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب جعل منها فدّانين من غربيها أذن للناس في تحكيرها، فحكرت و بنى عليها عدّة دور بلغت الغاية في إتقان العمارة، و تنافس عظماء دولة الناصر محمد بن قلاون من الوزراء، و أعيان الكتاب في المساكن بهذا الجسر، و بنوا و تأنقوا، و تفننوا في بدع الزخرفة، و بالغوا في تحسين الرخام، و خرجوا عن الحدّ في كثرة إنفاق الأموال العظيمة على ذلك بحيث صار خط الجسر خلاصة العامر من إقليم مصر، و سكانه أرق الناس عيشا، و أترف المتنعمين حياة، و أوفرهم نعمة، ثم خرب هذا الجسر بأسره، و ذهبت دوره.(صفحه 176)

و أما الجهة الشرقية من مصر: ففيها قلعة الجبل، و قد أفردنا لها خبرا مستقلا يحتوي على فوائد كثيرة تضمنه هذا الكتاب فانظره، و يتصل آخر قلعة الجبل بخط باب القرافة، و هو من أطراف القطائع و العسكر، و يلي خط باب القرافة الفضاء الذي كان يعرف بالعسكر، و قد تقدّم ذكره، و كان بأطراف العسكر مما يلي كوم الجارح. الموقف‏ قال ابن وصيف شاه في أخبار الريان بن الوليد: و هو فرعون نبيّ اللّه يوسف صلوات اللّه عليه، و دخل إلى البلد في أيامه غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته و باعوه، و كانت قوافل الشام تعرّس بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام، و نودي عليه، و هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليهم، فاشتراه أطفين العزيز، و يقال: إنّ الذي أخرج يوسف من الجب: مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

و قال القضاعيّ: كان الموقف فضاء لأم عبد اللّه بن مسلمة بن مخلد، فتصدّقت به على المسلمين، فكان موقفا تباع فيه الدواب، ثم ملك بعد و قد ذكرته في الظاهر يعني في خطط أهل الظاهر، فإنّ الموقف من جملة خطط أهل الظاهر. و قال ابن المتوّج: بقعة (خط الصفاء) هذا الخط دثر جميعه، و لم يبق له أثر، و هو قبليّ الفسطاط أوّله بجوار المصنع، و خط الطحانين أدركته، كان صفين طواحين متلاصقة متصلة من درب الصفاء إلى كوم الجارح، و أدركت به جماعة من أكابر المصريين أكثرهم عدول، و كان المار بين هذين الصفين لا يسمع حديث رفيقه إذا حدّثه لقوّة دوران الطواحين، و كان من جملتها طاحون واحد فيه سبعة أحجار، دثر جميع ذلك، و لم يبق له أثر.

قال: و بقعة درب الصفاء هو الدرب الذي كان باب مصر، و قيل: إنه كان بظاهره سوق يوسف عليه السلام، و كان بابا بمصراعين يعلوهما عقد كبير، و هو بعتبة كبيرة سفلى من صوّان، و كان بجوار المصنع الخراب الموجود الآن، و كان حول المصنع عمد رخام بدائرة حاملة الساباط يعلوه مسجد معلق، هدم ذلك جميعه في ولاية سيف الدين المعروف بابن سلار، والي مصر في دولة الظاهر بيبرس، و هذا الدرب يسلك منه إلى درب الصفاء، و الطحانين. قال مؤلفه رحمه اللّه: كان هذا الباب المذكور أحد أبواب مدينة مصر، و بابها الآخر من ناحية الساحل الذي موضعه اليوم باب مصر بجوار الكبارة، و أنا أدركت آثار درب الصفاء المذكور و المصنع الخراب، و كان يصب فيه الماء للسبيل، و هو قريب من كوم(صفحه 177)‏

الجارح، و سيأتي ذكر كوم الجارح في ذكر الكيمان من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى. و أما الذي يلي كوم الجارح إلى آخر حدّ طول مصر عند بركة الحبش، فإنها الخطط القديمة، و أدركتها عامرة لا سيما خط النخالين، و خط زقاق القناديل، و خط المصاصة، و قد خرب جميع ذلك، و بيعت أنقاضه من بعد سنة تسعين و سبعمائة. و أما الجهة القبلية من مصر: فإن» خط دير الطين حدثت العمارة فيه بعد سنة ستمائة لما أنشأ الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا الجامع هناك، و عمّر الناس في جسر الأفرم، و كان قبل ذلك آخر عمارة مدينة مصر دار الملك التي موضعها الآن بجوار المدرسة المعزية، و أما موضع الجسر فإنه كان بركة ماء، تتصل بخط راشدة حيث جامع راشدة، و من قبليّ هذه البركة البستان الذي كان يعرف ببستان الأمير تميم بن المعز، و يعرف اليوم: بالمعشوق، و هو على رباط الآثار، و يجاور المعشوق بركة الحبش، و ما بين خط دير الطين، و آخر عرض مصر من الجهة القبلية طرف خط راشدة.

و أما الجهة البحرية من مصر: فإنه يتصل بخط السبع سقايات الدور المطلّة على البركة التي يقال لها بركة قارون، و هي التي تجاور الآن حدرة ابن قميحة، و هي من جملة الحمراء القصوى، و بقبليّ البركة المذكورة الكوم المعروف بالأسرى، و هو من جملة العسكر، و سيرد إن شاء اللّه تعالى ذكره عند ذكر الكيمان، و يجاور البركة المذكورة خط الكبش، و قد ذكر في الجبال، و يأتي إن شاء اللّه تعالى له خبر عند ذكر الأخطاط، و يلي خط الكبش خط الجامع الطولونيّ، و يلي خط الجامع القبيبات، و خط المشهد النفيسيّ، و جميع ذلك إلى قلعة الجبل من جملة القطائع.


ذكر أبواب مدينة مصر

و كان لفسطاط مصر أبواب في القديم خربت، و تجدّد لها بعد ذلك أبواب أخر. باب الصفاء: هذا الباب كان هو في الحقيقة باب مدينة مصر، و هي في كمالها، و منه تخرج العساكر، و تعبر القوافل، و موضعه الآن بالقرب من كوم الجارح، و هدم في أيام الملك الظاهر بيبرس. باب الساحل: كان يفضي بسالكه إلى ساحل النيل القديم، و موضعه قريب من الكبارة. باب مصر: هذا الباب هو الذي بناه قراقوش، و منه يسلك الآن من دخل إلى مدينة مصر من الطريق التي تعرف بالمراغة، و هو مجاور للكوم الذي يقال له: كوم المشانيق، و يعرف اليوم بالكبارة، و كان موضع هذا الباب غامرا بماء النيل، فلما انحسر الماء عن ساحل مصر صار الموضع المعروف بالمراغة، و الموضع المعروف بغيط الجرف، إلى موردة(صفحه 178)

الحلفاء فضاء لا يصل إليه ماء النيل البتة، فأحب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أن يدير سورا يجمع فيه القاهرة و مصر و قلعة الجبل، فزاد في سور القاهرة على يد قراقوش من باب القنطرة إلى باب الشعرية، و إلى باب البحر يريد أن يمدّ السور من باب البحر إلى الكوم الأحمر الذي هو اليوم حافة خليج مصر تجاه خط بين الزقاقين ليصل أيضا من الكوم الأحمر إلى باب مصر هذا، فلم يتهيأ له هذا، و انقطع السور من عند جامع المقس، و زاد في سور القاهرة أيضا من باب النصر إلى قلعة الجبل، فلم يكمل له و مدّ السور من قلعة الجبل إلى باب القنطرة خارج مصر، فصار هذا الباب غير متصل بالسور. باب القنطرة: هذا الباب في قبليّ مدينة مصر عرف بقنطرة بني وائل التي كانت هناك، و هو أيضا من بناء قراقوش.(صفحه 179)[۱۸]


قال ابن الوردی:

ومن مدنه المشهورة الفسطاط وهو فسطاط عمرو بن العاص، وهي مدينة عظيمة وبها جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان مكانه كنيسة للروم فهدمها عمرو بن العاص وبناها مسجداً جامعاً، وحضر بناءه جماعة من الصحابة. وشرقي الفسطاط خراب، وذكر أنها كانت مدينة عظيمة قديمة ذات أسواق وشوارع واسعة وقصور ودور وفنادق وحمامات، يقال إنها كان بها أربعمائة حمام فخربها شاور، وهو وزير العاضد، خوفاً من الفرنج أن يملكوها.

وسمي الفسطاط فسطاطاً لأن عمرو بن العاص نصب فسطاطه أي خيمته هنا مدة إقامته، ولما أراد الرحيل وهدم الفسطاط أخبر أن حمامة باضت بأعلاه فأمر بترك الفسطاط على حاله لئلا يحصل التشويش للحمامة بهدم عشها وكسر بيضها، وأن لا يهدم حتى تفقس عن فراخها وتطيرهم، وقال: والله ما كنا لنسيء لمن لجأ بدارنا واطمأن إلى جانبنا.

وقبالة الفسطاط الجزيرة المعروفة بالروضة، وهي جزيرة يحيط بها بحر النيل من جميع جهاتها، وبها فرج ونزه ومقاصف وقصور ودور وبساتين، وتسمى هذه الجزيرة دار المقياس، وكانت في أيام بعض ملوك مصر، يجتاز إليها على جسر من السفن فيه ثلاثون سفينة وكان بها قلعة عظيمة فخربت، وبها المقياس يحيط به أبنية دائرة على عمد، وفي وسط الدار فسقية عميقة ينزل إليها بدرج من رخام دائرة وفي وسطها عمود رخام قائم وفيه رسوم أعداد الأذرع والأصابع يعبر إليه الماء من قناة عريضة. ووفاء النيل ثمانية عشر ذراعاً وهذا المبلغ لا يدع من ديار مصر شيئاً إلا رواه، وما زاد على ذلك ضرر ومحل لأنه يميت الشجر ويهدم البنيان. وبناء مصر كلها طبقات بعضها فوق بعض يكون خمساً وستاً وسبعاً، وربما سكن في الدار الواحدة الجامعة مائة من الناس ولكل منهم منافع ومرافق مما يحتاج إليه. وأخبر الجواليقي أنه كان بمصر على أيامه دار تعرف بدار ابن عبد العزيز بالموقف، يصب لمن فيها من السكان في كل يوم أربعمائة راوية وفيها خمسة مساجد وحمامات وفرنان.[۱۹]


قال الحمیری:

اسم لمصر التي بناها مصرام بن حام بن نوح عليه السّلام، سميت بفسطاط عمرو بن العاصي رضي اللّه عنه، و كان تركه هناك حين توجه للاسكندرية. قال اليعقوبي: لمّا فتح عمرو بن العاصي رضي اللّه عنه مصر اختط منازل العرب حول الفسطاط، فسمي الفسطاط لهذا، فمدينة مصر اليوم هي الفسطاط.

قالوا : و سميت بذلك لأن عمرو بن العاصي رضي اللّه عنه حين دخل بلاد مصر ضرب فسطاطه بذلك الموضع، فلما أراد التوجه للاسكندرية لقتال من بها من الروم، أمر بنزع الفسطاط، فإذا فيه حمام قد أفرخ، فقال عمرو رضي اللّه عنه: لقد تحرم منا بحرم، فأمر بالفسطاط فأقر مكانه و أوصى عليه، فلما قفل المسلمون من الاسكندرية بعد فتحها قال الناس: أين ننزل؟

فقيل: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي تركه في المنزل بمصر.

ثم بدأ عمرو بن العاصي رضي اللّه عنه فبنى المسجد، و بنى الناس مكان مصر الآن.

و هي مدينة كبيرة في غاية من العمارة و الخصب و الطيب و الحسن، فسيحة الطرقات قائمة الأسواق نافقة التجارات متصلة العمارات، لأهلها همم سامية، و طولها ثلاثة فراسخ، و النيل يأتيها من أعلى أرضها فيجتاز بها من ناحية جنوبها و ينعطف مع غربيها، و بناء دورها كلها و قصورها طبقات بعضها فوق بعض خمسا و ستّا و سبعا، و ربما سكن في الدار المائة من الناس، و معظم بنائها بالطوب، و أكثر سفل ديارهم غير مسكون، و لها مسجدان جامعان للخطبة، أحدهما بناه عمرو بن العاصي رضي اللّه عنه في وسط السوق يحيط به من كل جهة، و كان في أوله كنيسة للروم فصيره عمرو جامعا، و الجامع الآخر بناه أحمد بن طولون و بنى أيضا جامعا آخر يسكنه العباد و ناس من أهل الخير. و على الجملة فمصر عامرة بالناس، و في أهلها رفاهية و ظرف شامل و حلاوة، و في جوانبها بساتين و جنات و نخل و قصب سكر، كل ذلك يسقى بماء النيل. و أرض مصر لا تمطر إنما هو ماء النيل، و ليس في أرض مصر مما يلي النيل قفر، إنما هو كله معمور بالبساتين و الأشجار و القرى و المدن و الناس و الأسواق و البيع و الشراء، و بين طرفي النيل خمسة آلاف و ستمائة و أربعة و ثلاثون ميلا، و قيل غير ذلك، و عرضه في بلاد النوبة و الحبشة ثلاثة أميال، و عرضه بمصر ثلثا ميل، و ليس يشبه نهرا من الأنهار. و يقابل مصر جزيرة في النيل ، فيها المباني و المتنزهات و دار المقياس، و هي دار كبيرة في وسطها فسقية كبيرة، و ينزل إليها بدرج رخام، و في وسط الفسقية عمود رخام قائم، فيه رسوم أعداد أذرع و أصابع بينها، و الماء يصل إلى هذه الفسقية، و لا يدخلها الماء إلا عند زيادة النيل ، و يكون في شهر أغشت، و الوفاء من مائه ستة عشر ذراعا، و هو الذي يروي أرض السلطان باعتدال، فإذا بلغ النيل ثمانية عشر ذراعا [أروى جميع الأرضين التي هناك، فإذا بلغ عشرين ذراعا] فهو ضرر، و أقل زيادته اثنا عشر ذراعا و هي أربع و عشرون اصبعا و الزائد على الثمانية عشر ذراعا ضرر يقلع الشجر و يهدم، و ما نقص عن اثني عشر ذراعا فيه القحط و الجدب و قلة الزراعة.[۲۰]


قال محمد بن على، بروسوى ‏:

الفسطاط

بضمّ الفاء و سکون السّین و فتح الطاء المهملتین و ألف و طاء ثانیه، مدینه من الثّالث من الدیار المصریه. و قال أبو منصور الثعالبی فی فقه اللّغه و سرّ العربیه : الفسطاط بکسر الفاء و ضمّها کلّ مدینه جامعه و منه قیل لمدینه مصر التی بناها عمرو بن العاص الفسطاط، و فی الحدیث: علیکم بالجماعه فإنّ ید اللّه علی الفسطاط انتهی. و هی محدثه بناها عمرو بن العاص لمّا فتح دیار مصر فی خلافه عمر رضی اللّه عنه، و کان فی موضع الفسطاط قصر من بناء الأوائل یقال له قصر الشمع‏ ، و کان فسطاط عمرو حیث الجامع المعروف بجامع عمرو بمصر، و لم تزل مصر و هی الفسطاط کرسی مملکه الدیار المصریه حتی تولی مصر أحمد بن طیلون فبنی له و لعسکره القطائع فی شمالی مصر، و بنی عند القطائع جامعه المعروف بجامع طیلون و هو مشهور هناک، فی الأطوال: طول فسطاط نح عرضها ل ی، فی القانون‏ : طولها ند م عرضها کط یه. ابن سعید : طولها نج ن‏ عرضها کط نه، فی الرسم: طولها ند م عرضها کط نه. فی المراصد : و أصله أنّ عمرو بن العاص حین نزل علی مصر ضرب فی منزله لقتالهم بیتا من أدم أو شعر فلمّا فتحت مصر و جاز عمرو و من معه ما کان فی حصنها أجمع علی المسیر إلی الإسکندریه، و أمر بفسطاطه أن یقوّض فإذا بیمامه قد باضت فی أعلاه، فقال: لقد تحرّمت‏ بجوارنا؛ أقروا الفسطاط حتی تنقف و یطیر فراخها، فأقر بفسطاطه و وکل به من یحفظه‏ ألّا یباح، و مضی إلی الإسکندریه فأقام علیها سته أشهر حی فتحها اللّه علیه، فکتب إلی عمر یستأذنه فی سکناها، فکتب إلیه: لا تنزل بالمسلمین منزلا یحول بینی و بینهم بحر و لا نهر؛ فقال عمرو لأصحابه: أین ننزل؟ قالوا: نرجع الی فسطاط کفنکون علی ماء و صحراء فرجعوا؛ و نزل عمرو فیه و نزل الناس حوله، و جعلوا یقولون: نزلت عن یمین الفسطاط و شماله. فسمّیت البقعه بالفسطاط لذلک.[۲۱]


قال نیبور:

أطلق المسلمون على المدينة الأولى التي بنوها اسم الفسطاط؛ و تحدث بعض المؤلفين العرب عن أصلها. فبعد أن استولى عمرو، قائد الخليفة عمر، على هذا القسم من مصر كان يستعد هو و رجاله للتقدّم نحو الإسكندرية. و لكنه ترك في تلك المنطقة خيمة، بنت عليها حمامة عشها، فقال العرب إن هذا الأمر فأل حسن، و ارتأوا بناء مدينة في تلك البقعة. و لكن كانت لديهم أسباب أخرى للاستقرار في هذه المنطقة؛ فالمسلمون الذين وصلوا حديثا إلى تلك البلاد، فضّلوا عدم الإقامة داخل المدينة، بين السكان المسيحيين. و ارتأوا أن يبنوا مكانا لهم خارجها، حيث حطّوا رحالهم، و ذلك في سبيل حماية أنفسهم. فاستقر قربهم العرب الذين كانوا يعملون في مصر، فضلا عن المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام؛ فأدّى ذلك إلى ولادة مدينة الفسطاط. و لئن كان اليونان و الرومان قد جعلوا من الإسكندرية عاصمة البلاد نظرا لقربها، فقد اختار العرب ضواحي الفسطاط للسبب نفسه. كما أن الحاكم المقيم في وسط البلاد، يستطيع أن يرسل الجيوش، من هذه البقعة إلى الأقاليم كافة، إن دعت الحاجة لذلك.

و بعد أن أصبحت الفسطاط عاصمة بلاد مصر، سميت مصر؛ و لكنها لم تستمتع طويلا بهذا الشرف، إذ بدأت تضعف شيئا فشيئا، و القاهرة تزداد قوة. و بعد أن تحولت القاهرة إلى عاصمة للبلاد، أسميت مصر أيضا، بينما عرفت الفسطاط، التي كانت تحمل هذا الاسم أصلا، بمصر العتيقة. و رغم ذلك حافظ المصريون على الأسماء القديمة، و أطلقوا على مدينة مصر، اسم القاهرة، و على الشارع الطويل المطل على النيل، و الذي يشكّل جزءا من مصر العتيقة، اسم الفسطاط. و الأوروبيون وحدهم بدّلوا اسم هذه المدينة الأخيرة؛ فهم يسمّون الفسطاط أو مصر العتيق. القاهرة القديمة، رغم أن سكان البلاد الأصليين لم يسموها أبدا القاهرة.


قال نیبور ایضاً:

تعد الفسطاط أو مصر العتيقة- كما اعتاد الأوروبيون على تسميتها، مدينة بحد ذاتها- و لكنها صغيرة جدا مقارنة بمدينة الفسطاط القديمة، التي كانت عاصمة مصر. و نجد فيها مركزا للجمارك تدفع فيه رسوم عبور البضائع المرسلة من مصر العليا، فضلا عن مكان فسيح محاط بسور حصين تجمع فيه الحكومة القمح في الهواء الطلق؛ و لقد شيّد هذا البناء في عهد الخلفاء المسلمين. أما المؤلفون الذين يؤكدون أن يوسف بنى مستودع القمح هذا، فقد خدعهم بنيامين دوتولا، الذي يقول في سير رحلته (ص 104) إنه وجد في مصر العتيق بقايا مستودعات قمح، بناها يوسف. و لكنه يتحدث عن ممفيس الواقعة على بعد فرسخين من مصر العتيق. و يقع الجامع الذي بناه القائد العربي، عمرو بن العاص، بين مصر العتيق و جبل المقطم. يزوره عليه القوم في القاهرة مرة في السنة احتفاء بذكرى بناء المسجد الأول في المكان نفسه؛ و نرى في الجوار بناء محاطا بسور قديم. (راجعوا الصورة على اللوحة 12) و لعل حصن مدينة مصر، المذكورة في حديث العرب عن غزو مصر، كانت مبنية في هذا المكان؛ و الجدير ذكره أن هذا الحصن المتداعي مأهول اليوم بالمسيحيين. و نجد في هذا المكان أيضا عدة كنائس و مقابر إغريقية و قبطية و ديرا للنساء الأقباط، و مغارة مقدسة، إذ يقال إن العائلة المقدسة أقامت فيها لبعض الوقت. يحتفظ الإنكليز و الفرنسيون بمقبرة هنا، و كنيسة صغيرة، يقيم بقربها راهب فرانسيسكاني. تشتهر كنيسة القديس غريغوريوس الإغريقية بعجائبها الكثيرة، يقال إن المجانين من المسلمين و المسيحيين على حد سواء، يستعيدون رشدهم إن أوثقوا بغلا مربوطا بأحد أعمدة الكنيسة، و تليت الصلوات لراحة أنفسهم. و على مقربة من الكنيسة، شاهدت بئرا عميقا، يمتلى‏ء سنويا بالمياه عند ارتفاع منسوب مياه النهر. و قيل لي، إن ضفة النيل، كانت قديما في هذه البقعة؛ و هذا الأمر ليس بعار تماما من الصحة، إن أخذنا بعين الاعتبار تغير مجاري الأنهر مع مرور الزمن، خاصة في النقاط التي تمر فيها أمام المدن. و بالتالي فالقناة الممتدة بين الفسطاط و جزيرة الروضة تبقى جافة عند انخفاض منسوب المياه. و لقد أشار الأمير رادزفيل، أنه منذ حوالي 200 سنة كان الناس يعبرون من مصر العتيق إلى جزيرة الروضة مشيا على الأقدام، نظرا لانخفاض منسوب المياه. و لعل ضفة النيل الشرقية لم تشهد تغيرات ملحوظة منذ عدة قرون.

رسمت على الخارطة القناة التي تنقل بواسطتها مياه النيل إلى قصر القاهرة، و التي شيّدت حسب‏ تقرير ماراي على يد السلطان الغوري الذي استلم الحكم العام 1501 ميلادية، و نجد على الضفة الأخرى للقناة التي تجتاز القاهرة و على مقربة من النيل، صرح كفر العين الذي تعلوه قبة. و يشير الدراويش الذين يقطنون فيه حاليا- و يجنون منه مبالغ طائلة- إلى البقعة التي قتل فيها السلطان سليم. كما و أنهم يملكون طرائق أخرى معلقة فوق باب هذا الدير، و منها حذاء يبلغ طول نعله 22 بوصة، قيل إن درويشا يدعى إبراهيم ارتداه في عهد السلطان بيبرس؛ و غليون رأسه كبير، و غيرها من النوادر التي جمعتها هذه الأخوية خلال رحلاتها، و احتفظت بها للذكرى. و على مقربة من هذا الدير، اعتاد أسياد القاهرة و أفراد عائلتهم، التمرن بالبنادق و الأقواس، نهاري الأربعاء و السبت؛ إذ أقام بعض منهم في هذا المكان حجارة تدل على بعد مرمى السهام.[۲۲]


شیروانی نوشته است:


ذكر فسطاط

دار الملك مصر بوده عمرو بن عاص او را احداث نموده اكنون خراب شده در ضمن قاهره مصر خواهد آمد.[۲۳]

ارجاعات

  1. ابن خردادبه ، المسالک و الممالک ، ص ٨٤
  2. قدامه بن جعفر ، الخراج و صناعه الکتابه ، ص ١١٩، 129 ،٣٣٦، ترجمه فارسی ، ص 89- ٨٨ ، ١٠٧
  3. مسعودی، مروج الذهب و معادن الجوهر ،جلد1، صص405 و 406 .
  4. ابن فقیه، احمد بن محمد ، البلدان، صص117 و 118 .
  5. ابن حوقل ، صوره الارض ، ص ١٣١-١٣٠، ١٣٧، ١٤٢، ١٥٠
  6. حدودالعالم‌من‌المشرق‌الي‌المغرب،ص 175.
  7. المقدسی ، أحسن التقاسيم في معرفه الأقاليم ، ص ٥٥، ١٩٨-١٩٧، ترجمه فارسی ، جلد ١، ص ٨٠ ، ٢٨٣-٢٨٠
  8. بکری، عبدالله بن عبدالعزیز ، المسالک و الممالک، ج 2، صص 602-609 .
  9. ادریسی ، نزهه المشتاق في اختراق الآفاق ، جلد ١، ص ٣٢٦-٣٢٢
  10. کاتب مراکشی ، الاستبصار فی عجائب الامصار ، ص ٨١
  11. یاقوت الحموی ، معجم البلدان ، جلد ٤، ص ٢٦٣-٢٦١
  12. القزوینی ، اثار البلاد و اخبار العباد ، ص ٢٣٦، ترجمه فارسی ، ص ٢٩٢
  13. ابوالفداء، اسماعیل بن علی، تقویم البلدان‏، ص 133.
  14. عبد المومن البغدادی، مراصد الاطلاع على اسماء الامكنة و البقاع ، جلد ٣، ص ١٠٣٦
  15. العمری، احمد بن یحیی ، مسالک الابصار فی ممالک الامصار،ج3، ص 478.
  16. شهاب الدین عبدالله خوافی ( حافظ ابرو) ، جغرافیای حافظ ابرو ، جلد ١، ص ٢٩٥
  17. مقريزى، احمد بن على‏، المواعظ و الإعتبار بذكر الخطط و الآثار، بيروت‏،ج 2، صص 65-67 .
  18. مقريزى، احمد بن على‏، المواعظ و الإعتبار بذكر الخطط و الآثار، بيروت‏،ج 2، صص 85-104 و 149-155 و 157-179.
  19. ابن الوردی البكري القرشي، المعري ثم الحلبي ، خريده العجائب وفريده الغرائب ، ص ٨٧-٨٦
  20. ابوعبدالله عبد المنعم الحمیری ، الروض المعطار فی خبر الاقطار ، ص ٤٤١
  21. بروسوی، أوضح المسالك إلى معرفة البلدان و الممالك‏‏، صص494و495 .
  22. نیبور، کارستن‏، رحلة إلي شبه الجزيرة العربية، تعريب عبير منذر، ج 1، صص 90 و 91 و صص 101 و 102.
  23. شیروانی، بستان السیاحه، ص417 .
ابزارهای شخصی